فنون السرد

الحياة كما هي 3

عبد السلام كشتير (المغرب)

 

كانت لدي رغبة عارمة في محاولة إخماد جذوة الغضب التي إنتابني وأشعلت دواخلي .. والتي شغلت كل عقلي وتفكير وكياني نتيجة تلك المكالمة الشاردة ، التي نزلت علي كالصاعقة دون مقدمات .. لماذا كان رد إبني بهذه الطريقة ؟.. هل كان تحت تأثير ردة فعل هو الآخر ؟ كلام او حكي سمعه من أمه حول حالتنا إثر الإنفصال الذي نحن عليه .. فتكون سودت صورتي أمامه ، وكادت لي بطريقتها .. فأثر عليه ذلك الحكي وانفعل في مكالمته معي ؟
أم ضجر من الوضع الذي آلت إليه حياة الأسرة إثر هذا الحادث الإجتماعي الذي نعيشه جميعا ؟
لم أغير طبيعة تعاملي مع أبنائي أبدا ، فأنا أصون علاقاتنا وأمارس مسؤولياتي كأب في كل مقتضيات المعيش اليومي ..
إنما لا حظت تحول في بعض جزئيات هذه العلاقة التي هي مع الأسف آلية إلى التحول .. أتمنى أن لا تكون نحو الأسوء ..
هناك غياب تام لتلك التعابير الحميمية التي كنا نتباذلها بشكل مستمر في السابق .. تنم عن تماسك أسري وتزيد من توطيده .. كصباح الخير ، مساء الخير ، مبارك كذا … أو السؤال عن الأخر تحت أي ظرف .. في اعتقادي تمثل هذه التعابير البسيطة في تركيبها العميقة في دلالتها وتأثيرها ، اللحمة الذي نقيس بها مدى قوة تماسك أو تلاشي أواصر العلاقة داخل الأسرة .. أو ما يتفق عليه بالكلمة الطيبة ! في جزء منها طبعا وليس إجمالا .. إنها ملح طعام هذه العلاقة .. إنها توابلها التي تجعلها لذيذة سائغة وقابلة للهضم ..
قد يحدث أن يمر بي أحد أبنائي أو يلفيني في مكان ما من المنزل ، فلا يعير لوجودي أي اهتمام .. بينما أنا من يكون سباقا للكلام .. وبشكل شبه دائم .. يؤثر في هذا الأمر كثيرا ويترك آثاره على نفسيتي .. ويزداد تعقد السؤال أكثر .. لماذا ؟
لم أستوعب هذه النازلة ولم أتمكن من تفكيك شفراتها .. آه منك يا دنيا .. ماذا تخبئين لنا أيضا !
أسترجع بعض ذكرياتي الغابرة وأنا أحاول البحث في علاقتي مع والدي .. وأدقق فيها ربما سأجد فيها ما يجعلني أقف على اسباب ودوافع الحوار الملتهب الذي خصني به إبني .. لم أجد شيئا يذكر .. أنني كنت أسأت به لوالدي وانا أنمو في كنفيهما .. لا شيء بتاتا !.
يقال أن ما نتلقاها من الأبناء الآن هو سلف ودين في عنقنا للوالدين .. لكن سيرتي معهما كانت نقية صافية ولا زالت .. لم يحدث يوما أن رفعت صوتي في وجههما ، أو جادلتهما في أمر أرادوه ، حتى وإن كان ضدا على إرادتي .. لم أرفض لهما طلبا بل كنت مطواعا خدوما مسالما .. ولا زلت ..
علي أن أبحث في شق آخر من مدارك الحياة ..
ربما سيكون في التربية ..!
كثيرا ما نتحدث عن دور التربية والتنشئة الصالحة للأبناء . لم أكن في يوم من الأيام سيئا ، لاعبتهم صغارا وكبارا ، وتوليت شؤونهم بصبر ومسؤولية وتبصر .. لم أكن أبا تائها عن الطريق السوي . متعلما مثقفا بشوشا واجتماعي في طبعي .. أعتبر نفسي قدوة حسنة قابلة للتقليد .. إنما ليست نموذج الأب المثالي .. أبدا ..
صحيح ليس هناك معادلة رياضيه تنتج لنا أبا مثاليا قدوة لا تقبل الطرح أو القسمة .. أو نموذجا متميزا للأب الصالح .. قد يكون مصدرا للتربية الصحيحة التي لا يأتيها الباطل من أية جهة .. أو نموذجا بالمفهوم العلمي ..
قطعا ليس هناك نموذج تربوي محدد حصل عليه الإجماع ، يمكن أن يقتدي به فيصير منهاجا تربويا فريدا ووحيدا للتنشئة الصحيحة للأبناء في كل زمان ومكان .. أو وصفة جاهزة نتبعها لنحصل في النهاية على منتوج صالح ناضج لا تشوبه شائبة ..
مستحيل ..
ليس هناك إتفاق على نمط معين من التربية والتهذيب والتعليم قد نضبط به سلوكات ومعارف ومكونات الأبناء ليصير أبناؤنا بررة لا يأتيهم الباطل من بين أيديهم ولا من خلفهم ..
ملائكة ..!
إسمح لي ..
ربما ليس الآن ..
قد يحدث هذا في المستقبل .. حينما ندخل في مرحلة صناعة الأفكار والسلوك وربما حتى الأبناء على هوانا .. حينما نصبح رقميين بالمعنى الواسع للكلمة . كبة أزرار نضغط عليها لننتج طلبنا أو نمحوه .. أو نؤجله إلى حين ..
قلت ربما ..
آه كم يؤلمني رأسي يكاد ينفجر ، لا أدري هل سأصمد إلى نهاية الليل أم لا ..
لا زال السخط الملتهب في كياني يأكلني ويضنيني بشكل لا أستوعب حتى وجودي ..
الأب .. هذه الكلمة الخفيفة على اللسان .. الثقيلة في الميزان .. يقول فيها الإمام الشافعي ..
أطع الإله كما أمر * واملأ فؤادك بالحذر
وأطع أباك فإنه * رباك من عهد الصغر
لطالما سمعنا أساطير وحكايات وأمثلة كثيرة عن الأب .. وكتب الكثير في حق الأب والأبوة شعرا ونثرا وحكما …
الأب قيمة غير قابلة للتحويل أو التبديل ..
أب واحد أفضل من عشرة مربين.(ج.ج.روسو)
أدبيات تمجده وتبرز شأنه وموقعه في الحياة عامة ، وفي حياة الأبناء خاصة .. تذكرت .. لقد تم تخصيص أحد أيام السنة .. عيدا للأب . يا للمهزلة .. الأب فرحة ، الأب نعمة .. الأب تاج يضيء كل رؤوس الأبناء . هو عيد كل السنة . كل أيامه عيد .. بل أعياد في اليوم الواحد ..
ولكن ..
لن أنام بعد اليوم سأظل مستيقظا وحذرا وحدقا حتى لا أهان ولا اداس بالأقدام .. تلك الأقدام الصغيرة التي كنت أقبلها رغم روائحها العطنة أحيانا .. فترعرعت ونمت وكبرت وأحتلت أحذية وصناديل مختلفة الألوان والأحجام . فأصبحت أقدام رجولية .. أقدام شاب .. كبرت ولم تكبر معها الأعضاء الرئيسية في البدن . بقي القلب تافها والعقل فارغا .. والتهمته الشرور والأفكار السوداء ..
من أين أتت ..؟
لا أدري ..
سأبحث عنها لا محالة ، وسأعثر على أصولها وجذورها وسأجتثها من أعماق منابتها حتي لا تنمو من جديد ، بل سأفرغ عليها الملح …
لكي لا تدوسني مرة أخري …..

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق