فنون السرد

الحياة كما هي 6

عبد السلام كشتير (المغرب)

الحياة كما هي ..
…6
أيقظني صوت الجرس برناته المتتالية .. قمت متباطئا أجر قدماي بالكاد ، وأنا أترنح في مشيتي ، بل كدت أسقط .. كمن لم يصح بعد من الثمالة صباح يوم الأحد !
بلغت الباب والدوار يشق رأسي ، ويجعل الرؤية صعبة الإدراك ، لا أستطيع فتح عيناي إلا بشق الأنفس ، لكثرة ما يغشي نظري من ألوان لم أتمكن تحديدها .. يغلب عليها الأحمر الأرجواني أكثر من غيره من الألوان ..
فتحت الباب كما لو أنني أمام زائر جاء ليبدل أحوالي ، ويكسر وحدتي ، ويؤنسني ..
لا شيء ..
صحت وأنا أمد رأسي من الباب ، أحركه يمنة ويسرة ..
– من الطارق ؟ هل هناك من أحد ؟ من يدق الجرس ؟
يجيبني المكان بهدوئه وسكونه .. فيرد علي صدى صوتي ..
لكن الجرس اللعين ما زال يرن بشكل مسترسل ..!
استدرت إلى داخل المنزل واستطلعت البهو وأنا أتتبع صوت الجرس لأستبين مصدره ..
– أي جرس هذا الذي يسمع في كل مكان ؟
أغلقت الباب خلفي وتمسكت بالمزلاج قليلا لأحافظ على توازني ، فالدوار لا زال متمكنا من رأسي لم يبرحه بعد . ثم إتجهت إلى مصدر الرنين ..
– تبا ! إنه منبه الهاتف !
ههه .. إقتربت من الطاولة التي تركت عليها الهاتف بالأمس .. ألقيت ببصري على شاشته حتى أتعرف المنادي .. إنها صديقتي أمال .. !
– جيد .. نداؤك جاء في الوقت المناسب .. كنت أتحين الفرصة لأهاتفك .. لكنك فعلتها كما عادتك ..
أكلم الهاتف وأنا أستطلع شاشته المضيئة ..
– صباح الخير أمال .. إستيقظت باكرا ؟ كيف حالك ؟
– ماهذا .. أي صباح ؟.. وأي تبكير ؟ أين أنت ؟
ترد علي بشكل سريع ، ويعتري كلامها قلق ظاهر ..
أتثاءب بقوة وأنا أجيبها .. يكاد صوتي لا ينطلق ويخنق كلماتي فتصير مبهمة .. فتنزعج أمال أكثر من كلامي ..!
– وضعك يقلقني هذه الأيام .. ماذا دهاك يا صابر ؟ أين أنت ؟ لماذا تتأخر كثيرا في الرد على نداءاتي ؟
– هههه .. أنا في المنزل .. لا شيء ليس هناك ما يقلق .. فقط ايقظني نداؤك باكرا ..
في الحقيقة كنت أتوقع ذلك .. لأن حكايتي بالأمس كانت مزعجة وحزينة في نفس الوقت .. فكنت أنتظر تواصلك في أي لحظة ..
– أي حكاية .. وأي تواصل .. عد إلى وعيك . إنها الثانية عشرة والنصف زوالا .. لقد نمت كثيرا .. ! هل أنت تعبان ؟
– أبدا لست تعبانا ولا مريضا .. ربما مخلفات النوم الصعب الذي عانيت منها ليلا .. جعلتني على هذا الحال .. لا أتوقف عن التثاؤب ، وأحس بدوار خفيف يجول في رأسي .. ويجعل التركيز صعبا ..
– كم قلت الساعة الآن ؟
– إقترب آذان الظهر .. على سلامتك .. هههه !
– الحمد لله لقد نمت كثيرا .. ولساعات طويلة .. كنت محتاجا للنوم والراحة .. لم أنم بمثل هذه المدة منذ زمان …!
– صابر إحترس من إدمانك على السهر ليلا ! إن السهر المتوالي مهلكة .. قد يؤثر على صحتك النفسية والبدنية .. وسنك لا يسمح بالسهر كثيرا .. إحذر !
– مال سني مالو .. (كما قالتها الفنانة القديرة ثريا جبران في إحدى مسرحياتها) .. مال سني ؟
– سني هو عدد السنوات التي عاشها هذا الإنسان الذي هو أنا بكل تلاوينها ، واكتسب من دروسها عبرا وحكما .. وأنا الآن أعيش هذه الحياة بكل نبضها ، وأحلامها ، وبؤسها .. وأحمل بين أضلعي قلبا كبيرا يفيض محبة وودا ، ويتسع للكل ، رغم ما أتعرض له من صدمات .. وضربات .. ورجات .. وما أحمل من آثار الكدمات والجروح .. إنما علمتني هذه الحياة التجلد وحسن تدبير المواجهة …
– مالو سني ؟
تحاول أمال خفض مستوى صوتها وهي تبحث عن ألفاظ لتهدئة إنزعاجي من لمزها .. ربما لم تكن تقصد إثارة حنقي وهي تذكرني بسني ، وإنما لتنبهني بضرورة إعادة النظر في برنامج معيشي اليومي ، والتقليص من دوام السهر وقلة النوم أو نذرته أحيانا …
– لم أقصد أن أثيرك أو أزعجك بكلامي .. نبهتك فقط من باب صداقتنا .. من الواجب علي أن أهتم بما يصلح لك وما لا يصلح .. هذا أقل ما يمكن أن أقوم به .. وهو أضعف الإيمان كما يقال ….
أقاطعها لتعلم أنني لا أهتم بمسألة السن إطلاقا .. ولكن تعمدت الخوض فيه لأغيظها وأجعلها تتحدث أكثر .. هذا دأبي في الحديث معها …
– ولأنك شابة في مقتبل العمر .. تعيريني بالعجز وكبر السن .. هههه ..؟
– كنت عيرتيني بالشيب الذي اعتلى ذقني ، وهجم على هامتي .. فأصبحت تبدو كأكوام الثلج فوق علم …
ترد علي أمال ، وأنا لا زلت لم أنهي كلامي ..
– من قال لك أنني في مقتبل العمر ..؟ الله يجيبك على خير !
أختك على مشارف الخمسينات . أي شباب هذا الذي تتحدث عنه يا صابر ؟ لا تذكرني بالشباب . لقد راح !
– لنترك هذا النقاش .. إنه لن يفيد في شيء .. ولنعد إلى عالمنا ..
أحاول إيقاف الحديث عن السن .. حتى لا أنسى ضرب موعد معها لأمر يهمني . فأنا في عجلة من أمري وأريد أن أنهي هذا الموضوع في أقرب الآجال ..
– ماهو برنامجك لهذا اليوم يا أمال ؟
أستفسرها وأنا ألقي بجسدي المنهك على حافة السرير ، ورجلاي لا زالتا على أرضية الغرفة .. حتى كاد جهاز الهاتف يسقط من يدي لشدة أثار الدوار الذي أصابني لما استيقظت مفجوعا بعد سماع رنات الجرس …
– لماذا تسألني ؟ ماذا تريد مني وانت على هذا الحال ؟ أنت نصف نائم يا صابر .. تخلص من تبعات ما أنت فيه ، واستيقظ جيدا .. ثم أخبرني بحالك بعد ذلك ..!
– أنا بخير .. إنما إقتراحك في محله . تعجبني بصماتك التي تضعين على مناحي حياتي التعيسة .. سأحلق ذقني وآخذ دوشا باردا أشد به إصري ، ربما يرحل عني هذا الدوار الذي يدوخني ، أتعطر .. ثم نلتقي ..
تقاطع أمال .. وهي تسرع في ردها .. وتضحك ..
– على رسلك .. لماذا نلتقي ؟ أين سنلتقي ..؟ أنت كتحاجي وتفك بمفردك؟ .. لدي إلتزام يا صابر .. لا يمكننا أن نلتقي إلا في المساء إن أمكن . فأنا لا أستطيع تقدير الوقت الكافي لإنهاء إلتزامي ..!
– لا بأس .. أتمنى أن تنهي إلتزاماتك في الوقت المحدد . فأنا محتاج لرؤيتك ..
– محتاج لرؤيتي أو مرغم على لقائي .. أم .. تحبني ؟ ههههه ..
– أعرف أن حالي الآن يدعو للشفقة والرحمة . وربما للسخرية والإستهزاء كذلك .. كثرة الهم كضحك كما يقول المثل .. هذا هو حال المنهزم …!
وأضيف لاستل منها كلاما آخر فأنا أعرف بعض مخابيء المشاكسة لديها …
– لا عليك .. أعتبريني أنني في حاجة ماسة إليك هذه المرة وكفى .. الباقي سنؤجل الحديث عنه إلى يوم ما ، بعدما تتحسن ظروفي الصحية .. ههههه .
– تذكر ما نطق به لسانك الأعوج يا صابر .. واعلم أنك تسيء لصديقتك أمال .. وربما لصداقتنا .. ساتخلص منك وبأسوإ ما يمكن أن تتصوره ..
نجحت في لعبتي إذا .. وأقاطعها حتى لا ترفع من سقف تهديداتها .. وبصوت منكسر .. أتابع كلامي ..
– أمال أرجوك .. كفي عن تهديدي بإستمرار ، فصحتي لا تتحمل أكثر .. يكفي ما أعاني من آثار أوضاعي وتدهور علاقتي مع أسرتي .. ننهي إلتزاماتنا ونخلص ذواتنا من براثن المصاعب التي ألمت بها .. ثم بعد ذلك إفعلي بي ما تشائين يا صديقتي أمال ..
– آه من مناورات لباقتك التي تخفف عنك ما أكنه لك من أنواع العقاب .. لكن لا بأس نلتمس التخفيف لأوضاعك المزرية والقاهرة التي تمر منها .. ههه
– لكن يا صابر لا تنس أننا في الهم سوى .. نحن معا في نفس المركب يا حبيبي .. اتحسبني أنني في بحبوحة من العيش ؟ لا تقلق ستكون أيامنا ملونة بنفس الألوان وستسومها نفس الأحزان ، وستزمجر علينا عواصف واحدة .. لا تحزن .. تجلد واستعد .. لا أظن أننا قطعنا الواد ونشفو رجلينا !!!
– يا لها من لوحة متشائمة .. ومحزنة في نفس الآن !
ما هذا ؟ لم أعهد فيك تشاؤما بهذا القدر ؟ أين الضحكة الجميلة والإقدام على الحياة ، ونصحي بالتحمل والتجاوز ؟
تقاطعني وبصوت قوي ينم عن صرامة واضحة ..
– سأحكي لك .. أنا أيضا حكايتي .. مجموعة كوابيس من كل الأحجام والالوان .. لا تتسرع .. أنتظرني لما أفرغ من ما أنا فيه ..
– قبل سرد الحكاية والكوابيس .. وبكل جدية . أريد أن أراك ، حاولي إنهاء إلتزامك واخبريني بعدها إن أمكن لك ذلك ..
– طيب سأحاول .. ولو أننا كنا برمجنا لقاء في نهاية الأسبوع .. سفرا كما أظن .. هل نسيته ؟ أم تريد تأجيله كما أجلت المشاريع السابقة ؟
– لا ، لم أنس ولن نؤجله . لقاء نهاية الأسبوع لا زال حاضرا ومبرمجا ، وسوف نسافر معا بالتأكيد .. هذا هو البرنامج .. لكن اليوم لدي شيء مهم لابد من أن نتداول فيه معا ..
– سنرى ولو أنني لا أريد أن أوعدك .. لقد أخبرتك قبل هذا بأن إلتزامي غير محدد زمنيا .. انت وزهرك ياصابر ..!
– لا عليك ، سأنتظر مكالمة منك .. إلى اللقاء .
– آه منك ومن مداعبتك الجافة ، تبا لك .. إلى اللقاء وكفى بدون نعوت أو رتوشات لتجمل صورتك أمامي ههه ؟ .. ماذا أيضا ؟
– يا صديقتي أمل ..
– هههه لا تستطيع نطقها جيدا .. تخرج من حلقك رغما عنك .. تبا لك يا أيها البائس ..
الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق