فنون السرد

السلحفاة

Abdesselam Kouchtir عبد السلام كوشتر ( المغرب )

السلحفاة ..

فاجأني ابني ذي السبع سنوات في أحد الايام لما عاد من مدرسته ، برغبته في تربية سلحفاة ! وهو يتحدث عنها ، يستند في تبرير رغبته على اقوال وافعال رفاقه في المدرسة والحي .. ويؤكد بان عددا منهم يربون السلاحف ، وحيوانات اليفة أخرى ..
هناك من يربي دود القز .. وآخرون يملكون اقفاصا بها طيور الكناري والعصافير المغردة ..
بابا ، اريد ان اربي سلحفاة انا كذلك ..
أنا لا اتوفر على أي حيوان في المنزل مثل أصدقائي ..!
أريد سلحفاة .. تعجبني تربيتها .. فهي وديعة ولا تبرح مكانها .. وتقتات من بقايا الخضر .. هذا ما يحكيه رفاقي الذين يربون السلاحف ..!
لا . لا يمكن .. سلحفاة معنا في البيت ؟
مستحيل ! من أين أتيت بهذه الفكرة ؟
انها مسألة عادية ! لماذا يقبل أب مروان وطه بالسلحفاة في البيت ؟
انها لا تثير اية مشكلة ! هذا ما قاله طه !
عافاك ابابا !
أصبحنا ملزمين بفتح حوار معه حول المشاكل التي قد تنجم عن تربية الحيوانات في المنزل . محاولة منا التاثير عليه ليعدل عن فكرته ، ونحن نتذرع باظهار خطورتها ..
فقد تنقل أمراضا أو ميكروبات إلى البيت ، وأخوك صبي صغير .. ربما يؤذيه تواجد سلحفاة في المنزل !
ساحتفظ بها في غرفتي ولن اتركها تبرحها ابدا .. !
وأضعها في صندوق .. واطعمها داخله فتستانس به وتعيش فيه .. هكذا يتعامل معها طه !
مارأيك يا ابي ؟ عافاك !
أصبحنا ننام على الحديث عن السلحفاة ونستفيق عليه ..
حاولت أن أقدم له اختيارا آخر .. بعدما تحدثت مع جارنا والد طه .. حول هذه الموضة الشائعة بين الاطفال والمراهقين .. وتأكد لنا أن المسألة فيها إصرار قوي من طرف الابناء لاقناع آبائهم باقتناء هذه الحيوانات العجيبة ..
لقد أبديت امتعاضي منها في البداية .. يقول والد طه ، لكن تشبتهما بها واصرارهما القوي ، جعلني اقبل ..
مجبر اخاك لا بطل .. !
فطه يربي سلحفاة ..
بينما يربي مروان ، دود القز ..
وهو أخف الضرر في نظري ..
والله انا أرفض وجود مثل هذه المخلوقات بكل انواعها في المنزل جملة وتفصيلا .. قد نتأذى منها .. لا ندري .. انما بدأت تمارس علي ضغوطات انا كذلك . فهو لا يكف عن المطالبة بتحقيق رغبته .. وامه من جهتها قبلت الفكرة .. وترى أن ابنها يحدو حدو اقرانه ، ليثبت ذاته .. فهي لا تمانع من وجودها في البيت مع قليل من المراقبة والتوجيه ..
حاولت أن أقدم لابني اقتراحا بديلا عن السلحفاة ، ويجرب تربية دود القز .. وأنا أحاول تحبيذ الفكرة إليه ..
انظر يا صغيري ، واعط رايك في ما سأقول لك .. ؟
ننسى مشروع السلحفاة .. ونشتري دود القز .. ربما ستكون افضل .. وسأترك لك الاختيار .. خذ وقتك الكافي واجبني فيما بعد .. لا تتسرع .. اتفقنا ؟
مرت أيام دون أن نحسم في الأمر .. واصبح ابني حائرا بين الاثنين .. فهناك بعض رفاقه من يتوفر عليهما معا ..
بعد رجوعه ذات مساء من المدرسة ، كان قد قرر اختيار النوع الذي سيربي .. رغم انني لم اكلمه في الموضوع منذ مدة ، وكنت اتعمد تجاهل الحديث فيه ، اعتقادا مني انه قد يهمله وتتلاشى مع الوقت ، رغبته في تربية اي نوع من النوعين المقترحين عليه .. لكنه فاجأنا وبإصراره المعتاد ..
صافي أبابا رانا ختاريت .. بغيت حتى انا نربي السلحفاة .. بحال صحابي ..
نعم أريد أن اربي سلحفاة !
ماذا سلحفاة ..؟
نعم ، فامين وفيصل ويونس .. كلهم غيروا الدود بالسلحفاة ! فهي أفضل ولا تتطلب مشقة البحث عن أوراق التوت كما دود القز ، بل طعامها عندنا في المطبخ ، ولا تلزم العناية الكبيرة ..
لن اربي دود القز .. السلحفاة احسن !
أريدها .. تباع في المدينة .. اقتناها باباة امين من الكزا !
من أين أتيت بهذه المعلومات ؟
يحدثني وهو يضحك .. من عند طه وأمين والدراري ..
شيء مضحك فعلا !
لهذا السبب تأخرت في ردك على اقتراحي في تربية دود القز ؟ وانت تخطط لشيء آخر ؟
لقد ظننت أنك تخليت عن مشروعك ، وأنك ستعوضه بدود القز ؟
عافاك ابابا مابغيتش دود القز !
رجعت للسلحفاة ثانية ! هكذا اذا ؟ ..
بقي صامتا مطاطأ الرأس وعيناه مغرورقتان …
نظرت إلى امه فقرأت علامات التعجب على محياها ..
ما الأمر اذا ؟
ما رايك ؟ ذكرني طلب ابننا بالمقولة الشهيرة ..
ماقدو فيل نجيبو ليه فيلة !
لا أدري .. تجيب .. كما قلت لك سابقا ، يحاول تقليد أفعال رفاقه .. وهي مسألة عادية في مثل هذه السن ، لبناء ذاته وصقل معارفه وكيانه .. لقد قبلت الفكرة في البداية إنما بعد مرور كل هذا الوقت عن طلبه ، ظننت انه تخلى عن مشروعه نهائيا ..
لكنه رجع إلى فكرته وبكل إصرار !
إنه طفل .. ويحب أشياء يراها عند أصدقائه وجيرانه .. لنعالج المسألة بترو !
راجت في ذهني فكرة قد تؤخر عملية اقتناء السلحفاة إلى أجل اخر .. ساقترحها عليه وساحاول أن اوضحها له إن استطعت .. واقنعه بتأجيل مشروعه ..
ونحن نتجول في المدينة ، احسست انه يعمل على توجيهنا إلى تحقيق مطلبه .. فهو في عجلة من أمره ويريد اقتناء سلحفاة .!
وصلنا إلى المكان المعلوم ، فالفينا عددا من الأشخاص يعرضون بضاعاتهم من طيور الزينة وسلاحف بأحجام مختلفة وصناديق دود القز وغيرها .. سألت التاجر عن ثمن السلحفاة والمنطقة التي جلبت منها .. وهل هي حيوانات آمنة ، او قد تخلق لمن يربيها مشاكل صحية أو غيرها .. تبين لي أن مخاطبي .. يجزم ليسلم .. وانه لا يعرف حتى موطن هذه السلاحف ، ولا يعلم شيئا عنها .. فهو مكلف بالبيع فقط ، وهناك من يوفرله البضاعة ..
انا غا كنبيع اخويا .. هادشي لي كلتي ليا معنديش جوابو ..
ومنين غاتكون كاع ! .. من الطبيعة !
اه فهمت !.. مع السلامة ..
انصرفنا من سوق السلاحف .. وبدا ابني يطرح علينا أسئلة تحوم كلها حول امتناعي عن شراء واحدة ..
حنا جينا باش نشري سلحفاة أبابا .. علاش ما شريت ليا واحدة ؟
يطرح اسئلته وصوته يختنق تدريجيا والدموع تملأ عينيه من شدة القلق والتوتر الذي بدءا يكتسحانه ..
حاولت أمه تهدئته .. لكنه لم ينصع لها .. فاستمر يبكي علانية وهو في غاية الغضب والاحباط ..
جلسنا في المقهى وانا اهيؤه ليتقبل فكرتي ، وفي نفس الوقت اقترح عليه أن يطلب ما يشتهي .. فهو يحب أكل المطاعم ، والحلوى والمشروب المفضل لديه .. لكنه امتنع هذه المرة .. فما كان علي إلا أن أفاتحه في الموضوع واستعرض عليه فكرتي وموقفي من السلاحف التي شاهدناها في السوق ..
لا تقلق يا بني سأتدبر لك امر السلحفاة .. اعدك .. فقط اطلب ما تحب وسأروي لك كيفية اقتنائها ، ولدي مشروع مهم في هذا الباب ، سيعجبك .. سترى ..
ابتسم قليلا وعيناه لا زالتا ممتلئتان بالدموع .. ونحن نحاول إخراجه من شرنقة الغضب التي انزوى فيها …
مسحت أمه دموعه و ضمته اليها حتى يهدأ وهي تساندني في موقفي ..
اسمع حينما يقول لك بابا انه سيأتي لك بسلحفاة فإنها حقيقة ، فهو لا يكذب .. وانت تعلم هذا !
هز رأسه بسرعة ليوافقها في رأيها ويستسلم تدريجيا للواقع الذي وضعناه فيه ..
حينما نذهب إلى البلدة لنزور جدك .. سنجلب معنا من هناك سلحفاة .. إنها تعيش في حديقة جدك وتتواجد فيها باستمرار مجتمعة في اسرة واحدة .. السلاحف الكبار وصغارها ..
ما رايك في هذه الفكرة ؟ أليست أفضل من اقتناء سلحفاة متسخة ولا نعلم موطنها ..؟
على الأقل حينما تكون عندك سلحفاتك ويراها اصدقاؤك سيعلمون انها من بلدة جدك .. وتكون سلحفاة معروفة الأصل .!
استمع الى كلامي بكل حواسه ينظر الي وانا احكي ، ثم بدت على محياه علامات القبول ، ورسم ابتسامة على شفتيه الصغيرتين ..
تاكدنا من أننا تجاوزنا أزمة شراء السلحفاة ، وأننا اجلنا الأمر إلى الآتي من الأيام .. لربما يغير من رأيه ويوقف التفكير في مشروع السلحفاة نهائيا …
على طول الطريق التي تفصل العاصمة عن بلدتنا ، لم يكن حديثنا في معظم اطوارها ، إلا على السلاحف وأين توجد في البلدة وهل جدي يربيها وماذا يطعمها …
إنما لم نضجر من طول المسافة ، فقد شاركناهما في الحديث ، حتى ابني الثاني بالرغم من صغر سنه ، وقلة معلوماته حول الموضوع ، إلا أنه كان يقلد أخاه في كل شيء ، ويعيد بعض ما يقوله ، ولو بغير ذي معنى احيانا .. بل بدأ هو الاخر ينادي بنصيبه من السلاحف …!
لم يمهلا جدهما وجدتهما حين وصلنا .. بل بمجرد رؤيتهما ، بادرا بطرح الأسئلة حول السلاحف .. وهما يتنافسان على النفاذ الى أحضان جدتهما .. وهي تداعبهما بلطف ومحبة لتبقي الصغير في حضنها ، مستعملة دهاءها في جعل الأكبر يقبل بالتنازل عن حقه لأخيه .
نانا كاين السلحفاة هنا ؟
تضحك وهي تحتضنه بحرارة وتعيد ما يقول محرفة نطقها للسلحفاة ..
يضحكان على تحريف جدتهما نطق كلمة السلاحف التي اصبحت سحالف ، والسلحفاة تحولت الى سحلفاة ، ثم إلى سحلفة .. لتتضح لها الأمور بعد تدخل جدهما وترجمة الكلمة إلى فكرون ..
لما علمت بالامر ضحكت كثيرا وهي تصف نفسها بالبوهالية وانها ما قرياش ! واخبرتهما أن أسرة من السحلفات تأتي إلى الحديقة باستمرار ، وانها ستبحث بصحبتهما عنها غدا صباحا ..
اعجبا كثيرا بالاقتراح ، وتاكدا من صحة المعلومة التي تحملت مسؤولية البوح بها سابقا .. فامطرا جدتهما بالقبل والعناق حتى ازاحا الغطاء من على رأسها ..
لم ينم صاحب المشروع مبكرا كما أخيه ، ولكن بقي ملتصقا بجدته وهو يستنطقها عن كل ما يتعلق بأسرة السلاحف .. لم يمل من طرح الأسئلة ، ولم تمل هي من الرد على كلامه والإجابة على تساؤلاته ، وهي تحكي له كل ما تعرفه عن السلاحف وتضيف أخبارا عنها وقعت في أزمنة وأماكن أخرى ..
نام أخيرا ، وانا أتخيل وضعه النفسي حينئذ ، وكيف استحضر كل ما يود معرفته عن حيوانه الذي اختار تربيته وتشبث بالحصول عليه .. فلولا العياء والتعب من السفر ، لربما كان سيبيت جالسا يقظا ، ينتظر انبلاج الصبح ليخرج إلى الحديقة لاستقبال أسرة السلاحف ويختيار الأنسب من افرادها لياخذه معه إلى العاصمة …!
لم توقظهما جدتهما ، بل كعادتها تامر كل من في المنزل بأن يقللوا من إثارة الضجيج حتى ينعم حفيداها بالنوم ويستفيقا من تلقاء أنفسهما …
اهملا فطورهما ، واسرعا إلى الحديقة يبحثان عن أصدقائهما السلاحف .. فتشا عنها في كل أركان الحديقة ، وجدتهما تسرع اليهما وتحذرهما من إتلاف المزروعات .. وهي توجههما إلى الأماكن التي تحضر اليها السلاحف عادة ..
هنا في أحواض الطماطم تأتي لتاكل بعض الثمرات الناضجة أو تلك التي تسقط من اغصانها ..
يبحثون لا شيء ..
تعالا إلى الدالية ، انها تحب أكل حبات العنب التي تتطاير من عناقيدها حين تنقرها الطيور ..
لاشيء ..
لنرى تحت أشجار التين ، فالسلاحف تحب التقاط ثمرات التين التي يتخلى عنها الطيور بعد تذوقها أو تسقطها الرياح ..
لاشيء كذلك !
جابوا كل فضاء الحديقة بالبحث ، فكانت النتيجة سلبية .. وقفا صامتين وعلامات الإحباط بادية عليهما خاصة صاحب المشروع ..
استفسرا جدتهما جيدا عن سبب غياب السلاحف ، وهل تغيب دائما بهذا الشكل أم فقط هذا اليوم ؟.. وهل هناك إمكانية البحث على أسرة السلاحف في اماكن أخرى غير الحديقة .. ؟
آثارا مع جدتهما أسئلة كثيرة ، وهي تحاول تهدئتهما وطمانتهما بضرورة عودة السلاحف لا محالة .. فبحثها عن الطعام ، وتوفره في حديقتنا هو ما سيحتم عليها المجيء في الغد إن شاء الله ..
لقد منحتهما بكلامها هذا جرعة من الأمل .. في رؤية السلاحف لاحقا في الحديقة ..
اقتنعا برواية جدتهما ، فانصرفا إلى اللعب وتجاوزا محنة البحث عن السلاحف ولو إلى حين …
مرت بضعة أيام ولم يظهر للسلاحف أي أثر في الحديقة ، فزادت إحباطاتهما ، وبدأ اليأس يتسرب اليهما ، واصبحا يطالبان بالبحث عنها في أماكن أخرى أو اقتنائها من السوق .. فالامر لا يحتمل الانتظار .. يردد باستمرار صاحب المشروع !
لكن جدتهما أكدت لهما أنه هنا في بلدتنا لا نبيع السلاحف .. وأن الناس لا يهتمون بهذه المخلوقات اللطيفة ، بل يتركونها وشأنها ، تعيش حرة طلقة لتربي صغارها بطريقتها ، و تندمج في الطبيعة ..
غير انهما لم يستسيغا كلامها ، بل تشبثا بضرورة العثور على سلحفاة على الأقل ..
ما نمشيوا حتى ناخذ معايا سلحفاة .. ياك أبابا .. نتا لي واعدتيني بهادشي ..؟
أحرك رأسي بالإيجاب ، واطمئنه أنها عائدة لا محالة .. فلربما سمعت صراخكما والضجيج الذي تحدثانه أثناء لعبكما ، فامسكت عن المجيء إلى الحديقة خوفا على صغارها من الخطر ..
أو أنها لازالت لم تجع بعد ، لتتحرك بحثا عن الطعام !…
في اليوم ما قبل الأخير من عطلتنا التي نقضيها في البلدة عادة ، وإبان اجتماع العائلة حول مائدة الفطور ، اذا بنا نسمع صراخهما .. مزيج من الصياح والضحك والمناداة على جدتهما .. ثم فجأة يدخلان علينا عدوا وابني الأكبر يحمل سلحفاة بين يديه ويضحك بشكل هستيري و يحاول الآخر اللحاق به وهو يطلب من أخيه التريث ليراها عن قرب …
انظر يا ابي هاهي ! لقد وجدتها تحت الدالية تأكل حبات العنب .. حصلت عليها أخيرا ساخذها معي .. ياك أبابا ..؟
والحيوان المسكين يحرك أطرافه وراسه في كل الاتجاهات كما لو انه يسبح في الفضاء .. وينتظر مآله المجهول لا محالة ..
هدءا من الصراخ والحركة ، وساعدتهما جدتهما في إيجاد صندوق لحفظ السلحفاة ومنعها من الهرب .. تسابقا إلى الحديقة فجلبا أوراق الخس وحبات العنب والطماطم ، وجدتهما تصيح فيهما خوفا على حديقتها ..
أنا من ستطعم هذا المخلوق المسكين الذي وقع في فبضتكما .. حتى لا تتلفا المزروعات .. وتفسدا الحديقة .. اتفقنا ..!
انضبطا لتعليمات جدتهما ، وقبلا بمساعدتها ، واستراح الجميع من معضلة البحث عن السلحفاة وكثرة الاسئلة حولها …
ما أن توقفت السيارة قبالة العمارة ، حتى انفلتا منها مهرولان نحو رفاقهما ، وصاحب مشروع السلحفاة يحمل صندوقه وهو يخبرهم من بعيد انه حصل على أجمل سلحفاة .. هرع اليه اصدقاؤه لما رأوه يعدو نحوهم ، وتجمهروا حول الصندوق مستكشفين ما بداخله …
فاجمعوا انها سلحفاة نقية وان لونها فاتح ، وان حالتها الصحية جيدة ..
حاولت ثنيهما عن البقاء مع الجماعة : فانتما في حاجة للراحة والاكل .. ويمكنكما العودة عند رفاقكما بعد ذلك ؟
لكنهما اسرا على المكوث .. فالامر يتطلب البقاء الآن مع الجماعة ، وأنهما دخلا مباشرة في المنافسة حول من يملك احسن سلحفاة .. هكذا يتعاملون مع ممتلكاتهم من الحيوانات ودود القز …
حكا لهم صاحب السلحفاة الجميلة ، عن كل الأطوار التي مرت بها عملية تصيد السلحفاة .. وكيف عثر عليها في الحديقة بعدما قنطا هو وأخوه من إمكانية العثور على واحدة على الأقل خلال أيام ..
لكن الحظ كان بجانبنا ، فتربصت بها وقبضت عليها ووضعتها في الصندوق .. وهاهي أمامكم ..
ألم أقل لكم انني ساتي بسلحفاة من بلدة جدي ؟
تضج حديقته بالسلاحف وتعيش هناك حرة طلقة .. هذا ما حكته لنا نانا …
يحكي لهم روايته عن السلحفاة ومعاناته مع انتظار حلول السلاحف بالحديقة .. وكيف انها تتغذى من ما يتوفر من ثمار الفواكه والخضر في حديقة جده ..
يحكي وأصدقاؤه صامتون يسمعون لحكيه بكل جوارحهم .. بل منهم من اغبطه على هذا الامتياز الذي يعيشه ، جعله يحصل على سلحفاة نقية قوية ومجانا …
غيرت السلحفاة من سلوك أبنائي داخل المنزل حيث صارا دائمي المكوث في غرفتهما يراقبان سلحفاتهما ، أو يخرجان بها إلى باب العمارة أو ممراتها ، ليجتمعا مع الرفاق يستعرضون ممتلكاتهم .. غاب اللعب من سلوكاتهما ، وقاطعا مشاهدة افلام الكرتون …
لاحظنا أن السلحفاة تترك اوساخا حينما يحررانها من سجنها وتنفلت بين الفينة والاخرى تحت الأسرة .. فتضطر امهما الى تنظيف وتطهير الغرفة باستمرار .. بل ان الابن الاصغر عادة ما يطأ بقدميه على هذه الاوساخ فينقلها الى باقي الغرف ، الامر الذي ازعجنا واربكنا كثيرا .. لاحظنا ان مكوثها في مساحة الصندوق الضيقة أثر على شكلها واصبحت تبدو لنا كالمصابة بالوهن ..
فدخلنا في مفاوضات مع صاحبها للتخلص منها وإلى الأبد .. موضحين له أسباب إبعادها عن المنزل ..
مضيفين :
انظر الى أخيك ، إنه لا يدخل الى غرفتك إلا حينما تحضر انت ، ربما يخاف منها وهو ينظر إلى شكلها وإلى رأسها واطرافها ذات الحراشف .. فربما يتوجس من وجودها .. بل أنه لا يلمسها .. ولا يقترب منها في غيابك ..
بدت لي هذه العلل كافية ليقبل تحرير هذا المخلوق المسكين .. انما تابعت بسط علل إضافية ..
انظر اليها لقد أخذتها لأمها التي بقيت في بلدة جدك تفكر فيها وتتألم من فراقها .. فهل تحب أن يقع لك مثل ما وقع لها ؟
ولكنها هي حيوان فكيف تعرف كل هذا ؟
أليست لها أسرة ؟ من أين أتت ؟ أليس لها أب وأم وأخوة ؟
سكت وهو ينظر إلى السلحفاة في الصندوق تخرج رأسها وتهم بقضم ورقة الخس لكنها تغير رأيها وتعيد رأسها من جديد إلى داخل قوقعتها بتمهل ..
أرأيت انها تمتنع عن الأكل .. ربما انها حزينة وتفكر في أسرتها وبلدتها ..
لمست من نظرتهما اليها وسكوتهما .. أن صاحب السلحفاة بدأ يقتنع بإمكانية تحريرها وإنهاء مشروع تربية السلحفاة ..
في صباح اليوم الموالي اخذنا الصندوق وذهبنا به معا إلى الغابة المجاورة لحينا .. فتركت لابني أمر إطلاق سراحها وتخليصها من ضيق الصندوق ..
أخذها بيديه الصغيرتين ، وبدا لي ، وهو ينظر إليها تحرك أطرافها وراسها ، كما لو انه غير رأيه .. إنما بعد لحظات وضعها على الأرض .. تحركت وسط الحشائش في مشية متثاقلة كأنها تتاقلم مع وضعها الجديد ، ونحن نراقبها في صمت .. توقفت قليلا .. ثم استأنفت رحلتها متحررة من الصندوق ومن الأسر الذي عانت منه …
ودعناها وهي تبتعد عنا حتى اختفت بين أشجار الغابة ..

اظهر المزيد

د. عائشة الخضر

( سورية ) د. عائشة الخضر الاسم الادبي : لونا عامر، مؤسسة ورئيسة الاتحاد العربي للثقافة. شاعرة واعلامية .. سفيرة سلام عالمي، المنسق العام للبورد الالماني في سورية مديرة مكتب سورية لاتحاد الجوائز العربية واعمال اخرى ... لها ديوانين مطبوعين وموزعين عالميا .. وترجمت أغلب القصائد ل 8 لغات عالمية والان بصدد طباعة ديوان بالعربية وديوان بالاسبانية وآخر بالفرنسية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق