الدراسات الفكرية

القدس في عيون الشعراء

الباحث محمد قجّة (سورية)

في الذكرى الرابعة والسبعين لنكبة فلسطين 15 ايار ، مايو 1948 _ 15 ايار ، مايو 2022 ،

انشر مقدمة احد فصول كتابي : القدس في عيون الشعراء ،
وهذا الفصل بعنوان :

( استنهاض الهمم )
دأب كثير من المؤرخين على تقسيم زمن الوجود الفرنجي الصليبي في بلاد الشام إلى مراحل، وهذه المراحل هي :
1. مرحلة الصدمة:
التي تمثلت بالاحتلال وما تلاها من تفوق اوربي فرنجي جعل الغزاة يؤسسون إماراتهم الاستيطانية في الرها وأنطاكية وطرابلس الشام، ومملكة بيت المقدس .
2. تباشير الصحوة في الوطن العربي والعالم الإسلامي:
وقد تَبَلْوَر ذلك ببروز الأسرة الزنكية التي شكلت محور: الموصل – حلب، وانتقل هذا المحور إلى الهجوم بدلاً من الدفاع. وكان السبب المباشر لنشوء هذا المحور هو الحصار الذي فرضه الصليبيون على مدينة حلب عام 518 هـ ـ 1124 م بالتعاون مع بعض المتآمرين العرب بقيادة ” دبيس بن صدقة “، هذا الحصار الذي قال عنه المؤرخ البريطاني المعاصر ” ارنولد توينبي “: ( لو سقطت حلب بيد الفرنجة لأصبح الشرق إمارة لاتينية .
وقد خرج وفد من أهالي حلب وعلى رأسهم القاضي ابن الخشاب، وقصدوا الموصل التي كانت تحت حكم ” آقسنقر ” الزنكي. وكانت الأسرة الزنكية قد بسطت سلطانها على شمال العراق وقامت بغزوات موفقة ضد الوجود الصليبي .
ولكن البداية الحقيقية للصحوة كانت بقبول آقسنقر أن يسارع إلى نجدة مدينة حلب ويفك عنها الحصار، ثم قام بضم حلب وشمال بلاد الشام إلى حكمه فتشكل بذلك محور: الموصل ـ حلب. واتخذ ابنه عماد الدين مدينة حلب عاصمة له ومركزاً ومنطلقاً لجهاده ضد الاحتلال الأوربي الصليبي. وتوج جهاده بتحرير مدينة ” الرها ” سنة 1144 م، أي بعد ستة وأربعين عاماً من احتلالها .
3. مرحلة التفوق الإسلامي:
الذي بدا جليّاً بظهور نور الدين الزنكي وهو ابن عماد الدين. وقد وسع نور الدين مملكته بضم دمشق وأكثر بلاد الشام وبدأ يضيّق الخناق على الإمارات الصليبية، وكان مشروعه المبرمج بدقة هو تحرير بيت المقدس، وصنع لذلك المنبر الخشبي في حلب لنقله إلى المسجد الأقصى وقت التحرير.
وجاء صلاح الدين ليستكمل المهمة الجهادية، بعد وفاة سيده نور الدين، وبلغ التفوق مداه في نصر ” حطين ” الباهر وتحرير بيت المقدس ومعظم مدن الساحل .
4. مرحلة انهيار الإمارات الصليبية على يد سلاطين المماليك، فقد تمكن السلطان المملوكي الظاهر بيبرس من تحرير إمارة أنطاكية، ثم تمكن السلطان المنصور قلاوون من تحرير إمارة طرابلس، وأنهى المهمة ابنه الملك الأشرف خليل بتحرير عكا عام 1291، وبذلك تم تطهير سائر المدن والمناطق من الاحتلال .
* * *
وهكذا كانت الصحوة الإسلامية سريعة بعد الإفاقة من صدمة الاحتلال، وبدأ الشعر يواكب هذه الصحوة التي لم تكن مجرد استعدادات عسكرية، وإنما كانت حركة ثقافية وإعلامية رافقت الاستعداد السياسي والاقتصادي والعسكري الذي بدأت ملامحه مع عماد الدين، ثم ابنه نور الدين الذي يمثل بجدارة مرحلة استنهاض الهمم في تلك الحروب السيئة الذكر .
وقد تمثلت مرحلة استنهاض الهمم بمظاهر شتى يمكن الوقوف عند أبرزها:
أ‌. الوحدة السياسية في جمع الأجزاء المبعثرة من البلاد، وإنهاء حالة الاقتتال والصراع بين أجزاء البلاد، وبين الأسر المتنازعة .
ب‌. التعبئة النفسية والجهادية لدى أبناء البلاد، وتصوير العدوان بشكله الحقيقي الخطير، استعداداً لمقاومته ودحره في نهاية المطاف .
ت‌. إنشاء المدارس والمكتبات، وتشجيع العلم والعلماء ليكون لهم دورهم المحوري في تنوير الأفكار وبث الحماسة في النفوس، ولمّ الصفوف باتجاه هدف التحرير واستعادة المدن المحتلة .
ث‌. إنهاك العدو بعمليات حربية مستمرة ومتلاحقة، وعدم إتاحة الفرصة له لالتقاط الأنفاس، وقد أفادت هذه العملية في تقليم أظافر العدو، والبدء بتحرير كثير من الأماكن تمهيداً للضربة الكبرى في تحرير بيت المقدس .
* * *
وكان نور الدين محمود الزنكي المثال والنموذج لمرحلة استنهاض الهمم على كافة المستويات والمظاهر والاستعدادات، ولا تزال آثاره العمرانية شاهداً على عصره المتميز، العمران العسكري، والتعليمي، والمدني، والديني، والصحي ، والتحصينات الدفاعية .
وهكذا عَبَر الشعراء من مرحلة الألم والصدمة، إلى مرحلة التساؤلات واتهام الذات، ولكنهم سرعان ما واكبوا الصحوة المتمثلة في كل مراحل الحياة، بل إنهم أسهموا في صنع هذه الصحوة.
5 – ونحن نعلم أن الشعر “ديوان العرب” وأن الشعر حالة إعلامية كاملة، وكان في ذلك الوقت يمثل أجهزة الإعلام المعاصرة كافة، وكانت القصيدة التي يقولها الشاعر، لا تلبث أن تتناقلها الألسن بسرعة فائقة، وتغدو محفوظة ومردّدة ومغذّية للشعور الجهادي، وداعية إلى وحدة الصف، ونبذ الفُرقة، وحشد العزائم، ولهذا رأينا شعراء تلك المرحلة يصفون كل ما يجري حولهم من استعداد للجهاد وتحرير الأرض، ويحثون الحكام والجماهير على تلبية نداء الأرض المحتلة وصولاً إلى تحريرها .
* * *
6 – ولعل أوجه الشبه ليست بعيدة بين الأمس واليوم، فقد استفاد العدو الصهيوني من تمزق الصف العربي، وضعف العالم الإسلامي، وبدأ هذا العدو الإعداد لمشروعه الاستيطاني منذ أواخر القرن التاسع عشر، وتحالف مع القوى الاستعمارية خلال الحرب العالمية الأولى التي انتهت بانهيار الدولة العثمانية ومعها المحور الالماني ، وخروجها من البلاد العربية بما فيها فلسطين والقدس الشريف .
وأعقب ذلك قيام الدول المتناثرة هنا وهناك التي تجمعت تحت غطاء جامعة الدول العربية وبلغ عددها اثنتين وعشرين دولة، وبينها حدود رسمتها الاتفاقات الدولية، وقام حكام هذه الدول بتقديس هذه الحدود وحراستها والاهتمام بها أكثر من الذين رسموها لهم في كواليس السياسات الأوربية عقب انهيار الدولة العثمانية.
لقد كان المواطن خلال أكثر من ألف سنة يتنقّل بين أقطار العالم الإسلامي زائراً أو مقيماً أو باحثاً عن علم أو عن عمل، من غير أن يسأله أحد عن جواز سفر وتأشيرة دخول وخروج، بل أن الكثيرين من هؤلاء كانوا يتخذون من البلد الآخر موطناً لإقامتهم فيتزوجون ويؤسسون الأسر والأعمال. وهذا ما يفسر لنا انتشار الألقاب الأسرية المرتبطة بالأقاليم أو بالمدن، وهذه الألقاب منتشرة في أنحاء الوطن العربي، بل وفي بعض أقطار العالم الإسلامي. وهذه أمثلة من الألقاب المرتبطة بالأقليم أو المدينة (المغربي- المصري- البغدادي- المكي- المدني- الحجازي- الشامي- القدسي- الدمشقي- الحلبي- الحموي- الحمصي- الموصلي- الفاسي- الأصفهاني- الأفغاني- البصري- الكوفي- الرازي- الطوسي- اليمني- الصنعاني- الطرابلسي- النابلسي- الصفدي- الخليلي….الخ)
وهذه مجرد أمثلة وليست على سبيل الحصر.
7 – لقد أدى هذا التشرذم الجغرافي والسياسي والاقتصادي إلى وهن عام في الجسم الحضاري للوطن العربي والعالم الإسلامي. وكانت أصوات المفكرين والأدباء والباحثين ورجال الإعلام تنادي في اتجاه وصف هذا الوقع المؤلم، والتنديد به، ومحاولة استنهاض الهمم للتغلب عليه، والعودة إلأى مظاهر القوة بكل معانيها لكي تتمكن البلاد من استرداد حقوقها المسلوبة قسراً، والإدراك بأن هذا الاسترداد لا يأتي إلا بعد جهود متكاتفة على شتى المستويات.
* * *
وسوف نرى كيف أن الشعراء رصدوا هذه المراحل منذ وعد بلفور مروراً بمراحل الاستيطان والنكبة وقيام دولة الكيان الصهيوني، وكانت قصائد هذه المراحل إرهاصاً بالمراحل التالية التي شهدت الحروب العربية مع الصهاينة،والأبعاد الإقليمية والدولية لتلك الحروب، والدعوة إلى رصّ الصفوف، ونبذ الفُرقة، وتهيئة الجماهير، وشحذ الهمم، والخروج من دائرة اليأس والإحباط، وصولاً إلى ضرورة استنهاض الهمم، مع الربط الواضح بين مرحلتي الاحتلال: الفرنجية سابقا والصهيونية حاليا ، وهذا ما نجد صداه في شعر النكبة والروح العالية التي أبداها الشعراء، وهم يحثون الشعب العربي والعالم الإسلامي على التوحد خلف القضية الفلسطينية، والاستفادة من سائر قوى التحرر محلياً وعربياً وعالمياً وانسانيا .
الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق