حارات مقدسية

القدس مدينتنا

الباحث المقدسي مازن اهرام

من اسمتع  لخطاب الرئيس  التركي  رجب  طيب اردوغان قبل ايام  أمام  البرلمان  التركي   والذي قال فيه أن (القدس  مدينتنا ) وما أشار إليه حول مكان القدس ، يستطيع ان يقرأ ما بين السطور  وتلك الرسائل التي أراد أن يُوجها إلى ألعالم شرقاً وغرباً وفي الظروف الحاضرة  والذي تكابد فيه الشعوب والدول  من أوضاع صحية وسياسية  واجتماعية  واقتصادية ، وهناك من يرسم  الخطط  من وراء الكواليس ، لقد أراد الطيب رجب أن يُذكر العالم أن الأمس ليس كالغد  وأن المستقبل ستتغير فيه قواعد اللعبة  وأن تاريخنا الماضي  في أرض فلسطين والقدس  ثابت  ولنا أمجاد وحضارة وشواهد ،  وأن السلام  الحقيقي لا يتحقق  إلا بالعدل  والأمن والأمان كما حصل مع الأجداد الأوائل  في بيت المقدس.

 واثناء البحث  قبل كتابة هذه المقالة وجدت مجموعة من المعلومات في مقالة للكاتب أسامة حساني من موقع ترك برس ، والكاتب مرتضى الشاذلي من موقع نون بوست وكذلك من أسامة مرتضى، يمكن تلخصه بما يلي:

ان الوثائق عماد التاريخ وشاهد عيان على الأحداث التاريخية ومادة المؤرخ, وحين تنعدم الوثائق أو يتعذر وجودها فعلى المؤرخ أن يصمت لأنه يفقد الدليل الذي يغني عن البيان, فالمؤرخ بلا وثيقة في رحاب التاريخ كالقاضي ينظر قضية في محكمة تغيب عنها شهود الدفاع والادعاء

يقول الكاتب أوزوريس المتخصص في التاريخ : “على الرغم من أهمية الوثيقة إلا أنها لا تصنع التاريخ ولا يمكن إصدار حكم صريح, فالوثيقة هي الكلمة وهي رغم كونها الوحدة الأساسية في كتاب المؤرخ الذي لا تقوم صناعته إلا بها، إلا أنها مع ذلك ليست مفيدة في حد ذاتها حين توضع عشوائياً جوار أخرى. فالكلمات ما لم تنظم لا تؤلف جملة مفيدة كما أن الجمل المفيدة في ذاتها لا تصنع كتاباً ما لم تنسق وفق خطة محكمة بمعرفة ودراية وصولاً إلى المعنى المنشود

ويعد الأرشيف العثماني من أهم المراجع التاريخية، ومصدراً أساسياً في فهم ودراسة الأوضاع السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية لكافة الأقطار والأقاليم التي كانت واقعة ضمن حدود الدولة العثمانية؛ وبالأخص المعلومات حول مدينة القدس, بل ويؤكد متخصصون أن الأرشيف العثماني هو الأكبر في العالم ، ويصفه البعض بأنه بحر من الوثائق والسجلات والمعلومات التي تروي ملامح التاريخ الكامل لخلافة امتدت حدودها عبر قارات ثلاث لأكثر من ستة قرون

وأهمية الوثائق العثمانية الموجودة بأرشيف اسطنبول اليوم تنبع من احتوائها الكثير فيما يتعلق بالقدس وفلسطين وبمخططات الصهيونية العالمية للاستيلاء على القدس وفلسطين قبل حوالي قرن من الزمان

مدينة القدس، ملتقى الأديان وبؤرة الصراع دائمًا، على أرضها تعاقبت الحضارات الإنسانية عبر التاريخ، وحرص الجميع على أن يترك بصمته في القدس؛ كي لا يندثر ذكره وينمحي أثره، وفيها مئات الآثار والمعالم لكثير من الحضارات السابقة، لكن ما تزال الآثار العثمانية الأبرز والأكثر، فمعظم الآثار والمباني القديمة في القدس هي آثار وأوقاف عثمانية، تشكل حوالي 70% من الآثار الموجودة في القدس، فقد حكمت الدولة العثمانية المنطقة العربية وبلاد الشام أكثر من 4 قرون، أعطت للقدس لقب “القدس الشريف” ليرتبط اللقب بها إلى يومنا هذا

بدأ الحكم العثماني بعد انتصار السلطان سليم الأول في معركة مرج دابق في 24 أغسطس/آب 1516، بعدها أصبحت القدس أرضًا عثمانية، ليبدأ السلاطين العثمانيون أعمال الأعمار والتطوير بالمدينة، ويبذلوا جهدًا كبيرًا لترك آثارهم فيها، فكانت الأسوار والشوارع والأسواق والحارات شاهدًا على ذلك، وكانت أكثر الخدمات والاستثمارات التي قُدمت في فلسطين كانت في عهد الدولة العثمانية

في العهد العثماني أمر السلطان سليمان القانوني بإعادة بناء سور القدس من جديد لمنح المدينة رمزية الحماية والأمن

في العهد العثماني أُلحقت القدس بولاية الشام، وتغيرت تبعيتها الإدارية أكثر من مرة، فأحيانًا كانت تتبع دمشق وأحيانًا بيروت، إلى أن أصبحت “متصرفية” عام  1874، وكانت تتمتع بوضع سياسي متميز عن بقية المقاطعات العثمانية، وتشمل وسط وجنوب فلسطين، وكان مركزها القدس وتضم بلدات رئيسية مثل غزة ويافا والخليل وبيت لحم وبئر سبع

منذ معركة حطين أضحت القدس دون أسوار تحميها، فقد امتنع الأيوبيون عن إعادة بنائه خوفًا من حملات صليبية جديدة، لكن في العهد العثماني أمر السلطان سليمان القانوني بإعادة بناء سور القدس من جديد، رغم أن العثمانيين لم يبنوا أسوارًا كثيرة، لكن سور القدس كان مهمًا لمنح المدينة رمزية الحماية والأمن، رغم الاستقرار الذي كانت تنعم به

استخدم العثمانيون أثناء إعادة بناء الأسوار القواعد القديمة لها، واستغرق بناء السور المحيط بالقدس قرابة 5 سنوات، وبإشراف مهندسين عثمانيين، ويصل طول السور حاضن البلدة القديمة إلى 4300 متر، وبارتفاعات مختلفة تصل إلى 12 مترًا أحيانًا بما يتلاءم مع جغرافية المكان، ويتراوح سمكه بين متر واحد و4 أمتار، ويعلوه 35 برجًا لحماية المدينة من المنطقتين الشمالية والشمالية الغربية ، ويجمع بين عراقة التاريخ وجمال البناء

ويتميز السور باختلاف حجارته وتنوعها، فهي ليست منسقة بشكل كامل لعدة أسباب أهمها أن أجزاء السور بنيت عبر فترات مختلفة، كان آخرها في العهد العثماني، حيث ارتفع حينها عدد سكان المدينة المقدسة من 2800 نسمة قبل الترميم إلى 14 ألف نسمة بعد الترميم، وقد أضيفت البلدة القديمة بالقدس وسورها إلى قائمة مواقع التراث العالمي في اليونسكو عام 1981

ضمن حملة السلطان القانوني الشاملة والواسعة للتجديد والأعمار، جرى إعادة بناء أبواب البلدة القديمة، وفُتحت في العهد العثماني 6 أبواب في سور القدس، سُميت الأبواب غالبًا بأسماء المدن أو الجهات التي تطل عليها، ومنها باب العامود وباب النبي داود وباب الرحمة

كان أشهرها باب العامود، الباب الرئيسي من بين الأبواب السبعة المفتوحة في سور البلدة القديمة، بل وأفخمها من الناحية المعمارية والزخرفة، وقد شهد تغييرًا ملحوظًا على مر زمن الدولة العثمانية كدليل على التطور في كل عهد، ويقترب اليوم من شكله العثماني الأصلي

ويوجد للقدس 13 بًابًا، 8 منها مفتوحة، أهمها باب النبي داوود، الذي تعرض في الحروب العربية الإسرائيلية إلى التشويه بسبب الرصاص والقذائف، وعلى الواجهة الشرقية من الباب ما زالت الكتابات تخلد سنة البناء والآمر ببنائه، وفيها كُتب “أمَرَنا بإنشاء هذا السور المبارك مولانا السلطان سليمان ابن السلطان سليم بتاريخ 747 هجريًا”

أمَّا الأبواب المغلقة فعددها 5 أبواب، وهي باب الجنائز والباب المفرد والباب المزدوج والباب الثلاثي، وباب الرحمة والتوبة الذي كثرت حوله روايات الإغلاق، فبعض المؤرخين يرون أن السلطان سليمان أمر بإغلاقه بسبب الأساطير الدينية حوله، فيما يرى آخرون أنه أغلق بسبب مخاوف الناس آنذاك من أن الفرنجة سيعودون ويحتلون القدس من خلال هذه البوابة في المنطقة الشرقية من المدينة، وظل مغلقًا إلى يومنا هذا.

كان تحصين مدينة القدس من أكبر هموم السلطان سليمان، وبالفعل فقد كان أول إجراء أمر به السلطان بعد الفراغ من ترميم الحرم القدسي ضمن جهوده الرامية إلي إعادة تفعيل النظام الدفاعي هو إعادة بناء قلعة القدس القديمة الواقعة في الركن الشمالي الغربي للمدينة

وكانت القلعة مهدومه ومدمرة، ولم تعد صالحة للاستخدام، وأصبحت المدينة بلا قلعة تدافع عنها، إلا أن الترميم الذي جري عام 1531، وأضيف خلاله ممر شرقي للقلعة قد أخرجها من وضعها البائس بشكل نهائي، وكعلامة بارزة على سيطرة الدين الإسلامي على المدينة أمر ببناء مئذنة المسجد المستديرة فوق البرج الجنوبي للقلعة، والتي ما زالت موجودة إلى يومنا هذا، ويُستدل من الكنارات المسننة التي تزين المئذنة علي أنها جزء من أعمال البناء التي بدأت في القدس عام 1524 بأمر من السلطان

وبحسب وصف الرحّالة التركي أوليا جلبي خلال زيارةٍ قام بها إلى القدس، أصبحت القلعة بعد بناءها مقرًا دائمًا لقيادة الجيش العثماني ومركزًا لإدارة المدينة وأوقافها، وجاء بناء القلعة في أضعف نقطة ببلدة القدس القديمة من ناحية التحصينات بالمقارنة مع حدودها الأخرى، كون الجهة الغربية للمدينة تقع في منطقة مرتفعة وغير محاطة بالجبال، وتقع القلعة على إحدى التلال الأربع المقامة عليها مدينة القدس، وبدأ السلطان القانوني ببناء البوابة الضخمة الشرقية لتكون بوابة فريدة بنمطها

في العهد السلطان القانوني وُضع الختم العثماني على قبة الصخرة، وخلال 10 سنوات استمرت أعمال الترميم والتجديد والبناء، وأُدخلت الطبقة الزرقاء التي تغلَّف المسجد وتُسمى بـ”البلاط القاشاني”، وفيما بعد أضاف العثمانيون النوافذ الزجاجية الملونة ضمن التجديدات المستمرة في القدس، كما كُسيت قبة الصخرة بالرصاص، وكان هذا لونها في العهد العثماني

ترميم قبة الصخرة على يد السلطان سليمان الذي استغرق ما يقرب من 40 عامًا  دفع أوليا جلبي إلى كتابة الملاحظة التالية: “ولما كان السلطان العثماني في هذا الزمان هو أكثر حكام العالم تشريفًا واحترامًا، فقد جعل من هذا الصرح جنّةً لا مثيل لها على الأرض، لأنّ السلطان وحده هو القادر على أنْ يكون مالكاً لبيت الله

قرر سليمان القانوني أن ينفذ المشروع الأهم في حياته، وهو مشروع “بِرَك سليمان”،  في بيت لحم، حيث تتجمع المياه، تم مد قنوات من المياه تسير في مسارات متعددة، حتى تصل إلى القدس لتغذي السكان والأهالي، وتتنوغ في 5 سُبل منتشرة بين الحارات القديمة وأماكن تواجد الناس، وكان من أشهر تلك السُبُل “سبيل باب السلسلة وباب ألواد وقاسم باشا والسلطان سليمان القانوني” الواقعة داخل سور الأقصى

تميزت البيوت والأسواق في القدس بنمط معماري خاص، ويظهر ذلك في المباني والحجارة والأرصفة، وظهرت في العصر العثماني ثقافة بناء الشرفات والأقواس

كثيرة هي المشاريع المعمارية في القدس، لكن جزءًا كبيرًا منها لم يعد موجودًا، كبرج الساعة الذي بُني في عهد السلطان عبد الحميد عام 1906، أيضًا محطة قطار القدس، والتي كانت تنافس خط سكة الحديد الحجازية، حيث وُصلت محطة سكة حديد القدس بالباب العالي بإسطنبول مباشرة

وضع العثمانيون مجموعة من الأحكام واللوائح، تضمنت حقوق اليهود والمسيحيين وواجباتهم في ممارسة شعائرهم الدينية واستندت هذه الأحكام إلى العُرف وإلى الحقوق التي أقر بها الحكام المسلمون منذ العُهدة العمرية، وجمع العثمانيون ما بين تطبيق الأساليب الإسلامية في التسامح والاعتدال وبين تحقيق توازن في التعامل السياسي مع أوروبا، واصلوا تطبيق نهج من الاعتدال في التعامل مع المصالح الدينية المسيحية فتم الاعتراف ببطريركية فلسطين للروم الأرثوذكس في القدس في القرن السادس عشر باعتبارها القَيّمة على الأماكن المقدسة

كان للواقع الديني انعكاسٌ واضح على وضع المدينة الثقافي خلال العهد العثماني إذ كانت مركزاً علمياً لرجال الدين والشيوخ وطلبة العلم، وكثرت فيها خلال تلك الفترة المعاهد والمدارس الملحقة بالمساجد، كما ذكر الرحالة “أوليا جلبي” في زيارته للقدس عام 1672م: “في القدس أكثر من 24 محراباً للصلاة وسبع دور للحديث و10 دور للقرآن و40 مدرسة”، وبلغ عدد العاملين في تلك المؤسسات الثقافية ما يزيد عن 800 ما بين معلم وشيخ وخادم

القدس في عقيدة المسلمين ذات مكانة عظمية. اتفق على ذلك المسلمون بجميع طوائفهم ومذاهبهم وتوجهاتهم. فهو إجماع الأمة من أقصاها. ولذلك فهو أمر طبيعي أن يلتزم جميع المسلمين بالدفاع عنها والغيرة عليها والذود عن حماها وحرماتها ومقدستها.

وهكذا كانت مكانة القدس في العهد العثماني الذي هو استمرار للعهود الإسلامية. لقد خرجت القدس في العصر الحديث، كما حدث من قبل، من أيدي المسلمين بسبب الوهن الذي أصاب المسلمين والذي أشار إليه رسول الله وخاتم النبيين محمد بن عبد الله في الحديث الشريف: ((تداعى عليكم الأمم كما تداعى الأكلة إلى قصعتها. قالوا أمن قلة نحن يومئذ يا رسول الله؟. قال: بل أنت يومئذ كثير ولكنكم غثاء كغثاء السيل. وليزعنّ الله من صدور عدوكم المهابة منكم. وليقذفنّ في قلوبكم الوهن. قالوا: وما الوهن ، قال :حب الدنيا وكراهية الموت

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق