تربية و ديداكتيك

القراءة الذكية مهارة القرن

فتون عبد الله الصعيدي (سورية)

هناك قول يستحق الوقوف عنده وأيضا تأمل ملخصه وهو التالي :

((كنتُ أقرأُ وأقرأُ؛ ثم ذهبت إلى النوم؛ وحين نهضت صباحاً لم اتذكر شيئا مما قرأت !!)).
جاء هذا القول على لسان عضوٍ بأحد مؤتمرات القصة القصيرة شاكياً مما بدا له مشكلة لا حل لها،
فمابالكم بطلابنا؟!!
وهذا هو مدخلي الرئيس لموضوع يتجاوز جوانب ما يشير اليه القول
وإن كان يظل في مركز الاهتمام، لذل سوف أسعى إلى إضاءة حدود الموضوع /
المشكلة موضوع القراءة وموضوع الفهم ولكن….. ودائما لكن و ما بعدها يحظى بالتركيز والانتباه
أو هذه رغبتي على الاقل !!
إذ أن استكشافي لموضوع القراءة ومن ثم موضوع الفهم سوف يتركز على الجانب العملي منهما
لأن الهدف هو اجتياز عقبة امتناع القراءة وصعوبة الحفظ وعقبة عدم الفهم ايضا،
وهذا يعني أننا سنكون أمام استراتيجيات تهدف لتحسين القراءة وجعلها مثمرة ومنتجة والمرجع الاساسي لهذه الاستراتيجيات هو ما استفدته من قراءات متنوعة ومتعددة في بعض الكتب والمجلات العلّمية من أبحاث متعلقة بآليات عمل الدماغ البشري والقراءة عموماً بالأخص استراتيجية الخطوات الخمس sq3r بالاضافة إلى تجربتي وخبرتي الشخصية مع الطلبة. ثمة سؤال أساسي هنا:
هل الفهم يشبه الاضاءة المفاجئة السريعة لكامل غرفة كانت مظلمة ؟!
علينا قبل الإجابة فحص المشكلة. فلنبدأ *حدود المشكلة:
هناك تداخل وتعالق شديد بين ثلاث مصطلحات تحد المشكلة وفحصها كفيل بتوضيح حدودها وهذه المصطلحات الثلاث هي: القراءة ؛ الفهم ؛ التذكر ؛ إن اختلاط هذه المصطلحات يعقد المشكلة ويجعلها مشوشة فلابد من السعي لفض الاشتباك بينها أولاً قدر الامكان وسوف أشرع في هذه المحاولة عبر المدخل اللغوي الاساسي أي الجذور اللغوية الاساسية للكلمات الثلاث في القواميس العربية فنجد اولاً :
( مادة: ق ر أ ) في مختار الصحاح الذي يقول عنها :
قرأ الشئ قراءنا : أي جمعه و وضحه) (2)ثم ننتقل إلى لسان العرب فنجد :
قراءت الشئ قراءنا: جمعته وضممته بعضه إلى بعض) (3) اما مختار القاموس فيقول : و قرأ الشئ: جمعه وضمه) (4) والمعطى الاول الذي تخرج به من التدبر في المعاني المعجمية لكلمة قرأ هو كونها عملية مكونة من عنصري الجمع والضم اما الإيحاء الخفي وهو ما نريد صوغه بصراحة هنا للاستفادة لاحقاً منه فهو متعلق بالجهد والانتظار اللازم لمرور الوقت ليكتمل الجمع والضم.
أما الكلمة الثانية في هذا الثلاثي المميز للمشكلة فهي كلمة فهم نفسها حيث يقول مختار الصحاح :
(فهم الشئ بالكسر فهما وفهامة :أي علمه ) (5) ويقول أيضاً :
( تفهم الكلام فهمه شيئا بعد شئ) اما مختار القاموس فيقول :
(فهمه – كفرح- ؛وفهامة وفهامية: علمه وعرفه بالقلب ……
وتفهمه : فهمه شيئا بعد شئ ) (6)
وما يمكن استخراجه من هذه الاقوال مرتبط بما سبق من معاني معجمية لكلمة اقرا؛
إذ بعد عمليتي الجمع والضم يحدث الفهم أي العلم و العلم كما تفصح عن ذلك مقولة (عرفه بالقلب) امر عميق يتمكن من دواخل المرء او ربما اريد شدة وضوحه إلى درجة القدرة على استحضاره دائما دون نسيان لاكتماله ووضوحه. اما الكلمة الثالثة فهي التذكر حيث يقول مختار القاموس :
(التذكار :الحفظ) (7)اما في مختار الصحاح فنجد :
(والذكر والذكرى والذكرة : ضد النسيان) (8)اما في المعجم الوسيط فسوف نجد :
(استذكر الكتاب : درسه للحفظ) (9) ومنها يمكن استنتاج أن التذكر هو الحفظ وأنه ضد النسيان والنسيان كما كان مفتتح كلامي حول مشكلة القراءة وعدم الفهم والسؤال،
إذن كيف تبقى الاشياء في الذاكرة ؟!.
في الاستنتاج اللغوي المعجمي الاخير نحن بمواجهة عملية واضحة ومتدرجة فالقراءة أي الجمع والضم تحدث اولاً ثم يليها العلم أي الفهم ولكن بينهما عملية تتوسطهما وتصل بينهما هي الاستذكار ‘ضد النسيان’
اذاً فالاهتمام بعملية التذكر هو مركز حل مشكلة القراءة وإذاً فالتذكر نوعان :
تذكر تفصيلي حر وتذكر مقيد ،وإجراءات منهاجنا تركز على التذكر المقيد إذ ليس المقصود استعادة نصوص بكاملها كما هي، بل المقصود هو أن نجد في أذهاننا تصورات وارتباطات وجمل كاملة أحيانا حول نقطة معينة في الكتاب الذي نقرأه فتتنشط كل معارفنا عنه !!
وهذا يعني من جملة معانيه أننا قد نعيد صياغة ماقرأناه بطريقتنا وبكلامنا ومفرداتتنا أي أننا سنحدث دائما تغييراً ما في الاصل؛ وهذا الامر (التغيير) هو علة أننا دائماً ما نجد اختلافا كبيراً بين مانتذكره حول كتاب ما والكتاب نفسه عندما نعيد قراءته بعد مرور زمن وتغير الاحوال،
اذ لا توجد ابداً قراءة صافية ونقية فكل قراءة هي تشويه للمقروء.
*في المعنى التداولي للمصطلحات الثلاث:
لا يتعدى المعنى العام المتداول لكلمة قراءة في الاستخدام العادي واليومي حاجز المرور بالعيون على الحروف بشكل تدريجي ومن ثم تذكر القليل من تفاصيل ماتم المرور عليه لذلك ننبه إلى أننا نقصد معنى آخر للقراءة يبذل فيه المتعلم جهدا أكبر من مجرد المرور بالعيون على الحروف وهنا لا أتحدث عن القراءة التي تستهدف المتعة مثل قراءة الروايات والقصص حيث قد يحدث نسيان للكثير من التفاصيل دون أن يؤثر ذلك على استمرار القراءة فالمتعة هنا هي المعيار،
بل المقصد قراءة الكتب العلمية والثقافية قراءة مثمرة منتجة قراءة يمكن لاحقاً قياسها عبر عمل ملخص أو كتابة مقال او دراسة.. فقراءة الكتب العلمية (علوم انسانية) ومنها المدرسية هي عملية مختلفة عن القراءة الحرة للروايات وكتب الأسفار والأشعار والسير الذاتية فهي تقتضي تقنيات أكثر وتقتضي تدوينا أكبر وتلخيصاً ومقارنة مع كتب أخرى في نفس الموضوع وتقتضي الكثير من الدقة بينما قراءة الروايات وكتب الأسفار لا دليل على نجاحها إلا سلاسة اتصالها ودوام النظر إليها.
إن المقصود قراءة يعقبها حصول العلم أي لابد فيها من التذكر و مقاومة نسيان المعاني العامة للكلام ليخص الفهم، والفهم ليس شيئاً يحصل مرة واحدة، فهو حدث أو شئ يحصل تدريجيا وبانتظام تام. واستمر في التأكيد أننا نصف عملاً مجهداً وعملية مكونة من مراحل تحتاج طبيعياً إلى بذل جهد ومرور وقت حتى تكتمل *خطة العمل: ثمة عمل لازم كان علينا الخوض فيه
يتمثل في مراجعة نقدية لملخصات خبراتنا القرائية ومن ثم ربطها بما تقوله الكتب والدراسات العلمية حتى نتوصل إلى نوعين من المقاربات للقراءة
قواعد استراتيجية عامة لكل عملية القراءة تسمح باستمرارها والاستفادة منها تقنيات تفصيلية اثناء عملية القراءة نفسها وبعد ذلك نذلل معيقات عملية القراءة. ومن هنا برزت أهمية القراءة الذكية التي حَوّلت هذه القواعد والاستراتيجيات إلى خطوات سلسلة يطبقها الطلاب خطوة خطوة للوصول إلى المبتغى،
والهدف :
القراءة بفهم مع زيادة مدة الاحتفاظ لأضعاف مضاعفة إضافة إلى تعميم هذه الاستراتيجيات بكل المواقف القرائية واستخدامها بشكل دائم…

الوسوم
اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق