دراسات نقدية

القراءة الفلسفية / التحليلية للوحة رافاييل RAPHAÏL

عبد الوهاب آحميرين (المغرب)

تطرح هذه اللوحة الفنية الخالدة علاقة الإبداع الفني [ الرسم ] بالفكر الفلسفي
إبداع فني قل نظيره جمع في آن بين الفن والمعرفة ،
بين الرسم والفلسفة .. وليكن بياني أوضح وطرحي أيسر ، أجنح إلى تفريع ااموضوع إلى شقين متداخلين :
شق يتناول خصوصية اللوحة الفنية [ الإبداع ] ،
وشق يتناول موضوعها [ ازدهار الفكر الإنساني في أثينا القديمة ] ..
*** بخصوص الشق الأول ، فاللوحة الفنية من وحي وإبداع الرسام الإيطالي رڤائيل Raphaïl في عصر النهضة الأروبية { = رفائيل رسام ومهندس معماري شاب ( 1483 / 1520 ) ،
حياته قصيرة الأمد ( عاش 37 سنة ) وحزينة ( فقد أمه وهو طفل ) ؛
إنه أب الفن على الجدار ،
أشهر أعماله ” المرأة الشابة ” / ” تجلي السيد المسيح ” / ” زواج السيدة العذراء ” .. }
رسم اللوحة في زمن استغرق عاميين ( 1509 / 1510 ) في حائط الغرفة الشخصية ( حجرة المكتبة ) في قصر البابا بولس الثاني في الفاتيكان ؛
حجم اللوحة الجصية تجاوز سبعة أمتار ارتفاعا وخمسة أمتار عرضا { لوحة كبيرة } .. تعكس اللوحة الفنية الخالدة التي تشكل معبدا دائريا قيمة الفكر والثقافة والعقل ؛
تضم شخصيات فكرية حقيقية { لا شخصيات وهمية خيالية } تركت بصمات أثرية في جغرافية الفكر الإنساني ؛
تمثل مختلف أقطاب فروع المعرفة البشرية [ الفلسفة / العلم / الأدب / الفن .. ] . يجوز القول بأنها حلقة علمية أو ندوة فكرية كان الأبرز فيها مفكران / فيلسوفان لامعان في الثقافة اليونانية القديمة ( أفلاطون / أرسطو ) يتحاوران فلسفيا ،
وباقي الشخصيات الفكرية مشغول بقضايا معرفية أخرى .. ذهب المحللون والمنشغلون بالفن والفكر إلى القول بأن الشخصيات الفكرية المجسدة في اللوحة يمثلون مختلف الحقول المعرفية من حكمة ( سقراط ، زينون الإيلي ، أبيقور ، ڤيتاغورس ، ابن رشد .. )
وعلم ( أقليدس ,بطليموس , أبوقراط ، أرخميدس .. ) وفكر ديني ( زرادشت .. ) وعسكر حربي ( الإسكندر الأكبر .. ) ..
إن هذا التنويع في رسم هذه الشخصيات الفكرية أضفى على اللوحة جمالا وحيوية واستنطاقا لتاريخ الفكر الإنساني . عرضت اللوحة هذه الأقطاب الفكرية بدون مفاتيح للأسماء ( إيقونات ) ، فهوياتهم الفكرية تعرف وتوصل إليها المهتمون بحقل الفن على ضوء تماثيل وصور لهذه الشخصيات التي تمثل قيمة الفكر والثقافة الإنسانيين ..
*** أما الشق الثاني ( المضمون ) ، يتناول تحت المجهر حكيمين ( فيلسوفين ) بارزين أفلاطون PLATON و أرسطو ARISTOTE /
الأستاذ بلباس أحمر رافعا أصبعه إلى الأعلى ( السماء ) والتلميذ بلباس أزرق يمد يده إلى الأسفل ( الأرض ) في مناظرة فكرية قسمت الفكر البشري إلى تيارين أو معسكرين كبيرين ؛ فيلسوفان كبيران مختلفان في الرأي والطرح والرؤية ،
أحدهما أستاذ لامع والآخر تلميذ موهوب رسما معا طريقين للمعرفة في العالم سياسيا وفكريا داخل مدرسة أثينا منارة الإشعاع الثقافي ..
جسد الفنان رفائيل هذا التعارض الفكري Divergence في لوحته الجصية لقطبين متنافرين في المعرفة الفلسفية ؛ هذا التنافر يتبدى بجلاء من خلال الكتابين المحمولين :
أفلاطون يتأبط كتاب ” تيميوس ” Timée وهو عبارة عن محاورة أو مماحكة فلسفية بين سقراط بطل المحاورة في مساجلة خصمه قراطيلوس ، إذ المحاورة تتمحور حول قضايا فلسفية اختلف في مقاربتها فلاسفة اليونان منها مبحث أصل الوجود ، ومبحث المعرفة ، ومبحث الأخلاق ، ومبحث النفس .. في مقابل أرسطو الذي يتأبط كتاب ” الأخلاق عند نيقوماخوس ” Ethique Nicomaque الذي يبحث في مسائل فلسفية كالسياسة والأخلاق والاقتصاد ..
هذا التقابل الفلسفي بين الحكيمين اليونانين في الثقافة اليونانية أستعرضه على النمط التالي : ∆ الفيلسوف أفلاطون PLATON صاحب ” نظرية المثل ” مفكر طوباوي Utopiste يبحث عن الحقيقة في غياهب المجردات Idéaux الخالصة التي تعلو على المحسوسات ( المجردات حقيقة / الحسيات وهم ) ؛ مفكر نظري يتخيل الحياة في مدينة عادلة cité juste / مجتمع فاضل تتجسد فيه العدالة والفضيلة ( كتاب ” الحمهورية ” ) ؛
مفكر يتأمل النماذج المثالية التي تسكن عالم الثبات الذي يجسد الخير الأسمى ( المثال idéal ) ، عالم النفوس الطاهرة والحقيقة الأزلية والإلهيات ..
وهذا تصور مثالي يسعى إلى تكريس ما هو عام ومجرد وكلي ومثالي وثابت .. فصاحب الأكاديمية التي كتب على بابها ” لا يدخل علينا من ليس رياضيا ” يقدس المجرد ويدنس العيني ( الحسي ) عالمات متفاوتان :
علم ثابت وأزلي ومنزه ويمثل الحقيقة الحقة ( عالم المثل / السماء ) # عالم ثان متغير وزائل ومشوه ويمثل الحقيقة الظنية الزائفة ( عالم الحس / الأرض ) ، فالمجرد في تصوره سابق على العيني وأرقى منه ، والإشارة في اللوحة واضحة / رفع الأصبع إلى الأعلى ..
∆ أما أرسطو ARISTOTE فهو فيلسوف واقعي réaliste { # أفلاطون مثالي idéaliste } يربط الحقيقة التي يشير إليها في اللوحة بيده بالواقع الحسي / الأرضي الذي هو مصدرها لا غايتها ؛ إنه مفكر براجماتي يراقب الواقع السوسيو – سياسي ويميز فيه بين النافع والضار ، بين الحسن والسيئ ، بين الخير والشر للوصول إلى الحقيقة ..
ينطلق أرسطو من الواقع الملموس ويعتبره ضرورة في تشكيل المعرفة وكشف الحقيقة ، لا يجوز إنكاره { # أفلاطون } وتهميشه ، منه تنطلق المعرفة ولا تؤول إليه ، معرفة تروم كشف الحقيقة الثابتة .. ومن ثمة ،
تكون الحقيقة تتأرجح بين الحسي / الأرضي { المتحول } والعقلي / المجرد { الثابت } .. إن أرسطو فيلسوف معتدل modéré صاحب مدرسة ” الليسي lycée وصاحب القولة المشهورة ” أحب أفلاطون وأحب الحق ، لكني أفضل الحق على أفلاطون ” ..
ومن ثمة ، يمثل الفيلسوفان مدرستين متباينتية ونسقين فلسفيين متعارضين : أفلاطون الفيلسوف المثالي المجرد الصرف ، وأرسطو الفيلسوف الواقعي / المجرد ..
∆ ∆∆ زبدة القول ، فلوحة الرسام رفائيل المشهورة ترمز إلى العقل البشري متعدد الأبعاد الفكرية / العقل المركب الذي لا يحده زمكان ؛ لوحة تخطت حدود العبقرية الفنية في رسم مدرسة أثينا قبلة العلم والحكمة والثقافة في العهد الماضي ، حوت جميع الأزمنة والعهود [ ماقبل التاريخ / قديم / قروسطي .. ] ،
وعكست أغر الثقافات الإنسانية في إبداع فني فريد بهندسة رومانية لا مثيل لها … ~~~

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق