دراسات نقدية

الماندالا

دعد ديب (سورية)

رَسْمُ الماندالا(*)، أو ما عرف باسم نمط الدوائر اللانهائي، هو تشكيل رمزي للكون، في وحدة جامعة لتداخل الخاص مع العام، وتناغم الوعي مع اللاوعي، ليشمل الذات الكلية لما يسمى بالوعي الجمعي للتجمعات البشرية التي تتعالق مع بعضها بتواريخ وظروف مشتركة، وهي تلك التي تحدث عنها كارل يونغ في فلسفته، واستفاد منها في الولوج إلى أعماق النفس البشرية.
من هذه استعار مخلد بركات عنوان وموضوع روايته “ماندالا” الصادرة عن الدار الأهلية للنشر والتوزيع عام 2020، متكئًا على معناها الرمزي والطقوسي اللافت كعتبة نصية أولى، ليشد القارئ إلى ما تلاه من معانيها، مستهلًا العمل بنص يستدعي أسئلة متنامية في عقل المتلقي تسحبه للغوص في مجاهل النص:
“يخرجون من سبخة الموت، الآن
ربما عراة، مذبوحين، على شكل ماندالا
على شكل دمى شجرية، أو نجمة سداسية الأضلاع..!!
وحدهم”.
لنتدرج في تلمس ملامح الشخصيات التي أشار إليها منذ البدء بصفتها كائنات خارجة من موتها وخرابها، فهنالك الدكتور صلاح العواد، الشخصية المحورية، وهو المحاضر في “تفكيك الشخصية العربية المهزومة من منظور علم النفس”، يقدمها عبر هدم الجدار الفاصل بين الموت والحياة، فهو يمر من موته إلى حياته، ومن حياته إلى موته، ذلك الموشوم بأكثر من حدث، إذ أن لموته احتمالين، الأول سقوطه في بئر مظلمة عام 1967، القبر الأول الذي لم يخرج منه، ولا يخفى على لبيب الآثار الكارثية التي تركتها في الوجدان العربي الهزيمة التي ارتبطت بهذا التاريخ، لنسمع هلوساته في تكنيك سردي يحطم الحواجز بين الوجود والفناء، مفتتحًا احتمالات عدة لحيواته المتعددة ونهاياتها، مرة عند وقوعه في بئر، ومرة عند سفره إلى بيت عمه محجم، وفي مفصل آخر نهايته إلى قبر في زنزانة، في تأكيده للمجاز بقوله “نحن كائنات ورقية”. بهذا المعنى، يهرب من حالة الموت، ويبرر قيامه من اللحد، وحركته هو الميت من البداية، في مخاتلة من الكاتب لصدم ترقب القارئ بإرجاعه إلى صفة مراقب حركة النص، وكسر انتباهه وانسجامه في لعبة البطل الدائرة.

ينظر إلى السقف، سقف الزنزانة، متأملًا ذاهبًا إلى عوالم أخرى في انزلاقة في السرد لا يجعلنا نشعر بها، حيث يروح باستطرادات لواقع آخر مرَّ فيه وهو حي على ذمة الموت، حيث ينهض البطل (صلاح) من موته ليحاور رفقاء طريق جمعتهم الزنازين، بعد أن كان كل منهم في مشروع نضالي استهلك زهرة عمرهم، أو كاد، ليطل من خلاله على حياتهم الماضية في عرض لمآسيهم وبؤسهم، هم وارثو الهزائم والخيبات عبر تاريخ المنطقة اجتمعوا من مغربها إلى مشرقها، حيث اشتبكت قضاياهم وهمومهم وخذلانهم ليتشاركوا الحصار والزنازين، وليكون رحيل المقاومة الفلسطينية عن بيروت 1982 مفصلًا آخر للنكوص والخيبة عبر نمط السرد المتشظي في عوالم عدة، والتقطيع السينمائي بين خيالات صلاح وتهويمات ذكرياته في التداعي الحر لاستدعاء وقائع التاريخ، تاريخ العراقي يحيى عبد الرزاق، والمغربي عبد السلام العياشي، وشوكت الضبع، وألكسندرا الشقراء، من لبنان، وصيتة العرجاء، ابنة عمه محجم.
اجتمعت المآسي وتوزعت بوطأة همومها الثقيلة على هذه الشخصيات الآتية من جذور وأعراق على امتداد الوطن العربي؛ العياشي المتطوع في المقاومة الفلسطينية مع شوكت الضبع، وخيالاته مع ألكسندرا، زوجة هذا الأخير، والخيبة التي واجهها الجميع بخروج المقاومة من بيروت، وتجلت في خواء حياتهم من المعنى، وفقدانهم لشغف العيش “اللي ما ينجح بالسياسة لا ينجح في الحب”، بتوظيف أسلوب السرد الدائري الذي يثبت لوحة في الذاكرة، ويعود إليها أكثر من مرة (جثة في بئر) ـ (جثة من رمل) بشكل يرسخ المشهد الذي يخز الذاكرة بوجع مقيم رغم كل هذي الفواجع لينوه لـ(الحصان الفضي) بعينيه اللامعتين كزري قميص؛ كحلم يتماوج مع الريح، الحصان الفضي الذي يكرره كلازمة حلمية تأبى أن تغادر حنايا الروح.

في الجزء الثاني من العمل، يفاجئنا بانعطافة غريبة في إمكانية فهمنا للشخوص التي تعاطفنا معها، ومع النهاية التي آلت إليها، لننقلب إلى استنكار تاريخها، ورفضها، لنراها من وجهة نظر الآخر الذي من مصلحته أن يشوه التاريخ والوجدان. وعلى الرغم من أن كل شخصية لها خرابها الداخلي، نزيد عليها ثقل الأحداث التي مرت عليها والقضايا العامة، وكلها نتيجة مركبة من تراكم هزائم وخيبات وارتكابات، فلكل واحد منها خطاياه ومخازيه على الصعيد الشخصي، وصندوق أسود دفين يحوي فيه كل الحقائق السرية والمعلنة، حيث نرى الصبية التي شغلت البطل الميت الحي تدخل به إلى عالم الغرائب والعجائبيات في الغرف المقفلة السبع التي تمثل الماندالا التي تحوي كل شيء، كل منها تحوي جزءًا من حقيقة، وجزءًا من زيف، فالغرفة الأولى حوت كائنًا يجسد شخصه مجبولة من رمل محبوس في زجاجة ضخمة. وفي الغرفة خيول متجمدة، وخيول محبوسة تحمحم وترعد بصهيلها، كذكرى بعيدة من زمن جموح؛ وأخرى الغرفة التي تحوي معدات وأجهزة كمبيوترات، وآخر ما توصل إليه العلم الحديث من كاميرات ومايكات وشاشات تعرض ما يسمى الدراما الوثائقية.

“الدوكودراما” تشكك في سرد مغاير لحكايا الشخوص، ولقصة ومعاناة كل منهم، وتبخس آمالهم وتطلعاتهم، ما يحيلنا إلى جزء من البروباغندا المعادية التي تستفيد من معلومة صحيحة لتفبرك كثيرًا من القصص المغلوطة التي تسيء إلى تاريخ ونضالات البشر في هذه المنطقة، لإعطاء مصداقية ما لروايات الآخرين. بعدها، نبلغ الغرفة التي تحوي أطفالًا جامدين، حيث يبلغ السرد مداه في الفانتازيا، وجو الأساطير العجائبية، أطفال ولدوا من جماع متخيل بين رجل ميت يرقد في قبر في زنزانة، وامرأة “ميساء” مشكوك في هويتها وسلوكها ووجودها.
لعله أراد من وراء ذلك أن يصدمنا بالمستقبل الذي نشرف عليه في عام ألفين وخمسين، فأي مستقبل؟؟!!
هذه صورة المستقبل الناجم عن هكذا واقع، يهرب بنا محذرًا إلى عام 2050، ونرى الواقع من هناك بتخيل راوٍ جموح، فهل ميساء حقيقية، أم قناع آخر من الأقنعة التي تصوغ الحكاية، ميساء التي تعرف كل الأسرار رواية التاريخ من وجهة نظر مغرضة “تاريخ الأوغاد”.

يحفل نص صاحب “رباعيات الفردوس” بكثير من الرموز الأسطورية والإيحائية (الغولة، والماندالا، والجياد)، فبعد الماندالا يومئ إلى الخيول التي يتوقع مرورها “بيضاء كقباب البحر”، ويوزع انتظارها على مدار العمل بما يشبه انتظار غودو، حيث اقتصر تخيلها وانتظارها على المعنى المضمر والجمعي لمعناها الإيحائي في التمرد والحرية والكبرياء والشموخ والقوة والأصالة والعنفوان ونقاوة النسب ووفائها لأصحابها وعدم انقيادها إلا لصاحبها، حيث تحضر في وعي القارئ رواية “زمن الخيول البيضاء” لإبراهيم نصر الله؛ “لقد خلق الله الحصان من الريح.. والإنسان من التراب، والبيوت من بشر”.
في دلالات الخيول في الأحلام، يرى ابن سيرين أن “الحصان الأبيض من دلالات التيسير والخير في الحلم، إلى جانب أنه بشارة خير بالوصول إلى الأحلام الكبيرة، والطموحات الجميلة، فإن شاهد الرجل هذا الحصان وكان يسير بطريقة تمتلئ بالهيبة، فيتم التفسير بطريقة محمودة، وذلك بمكانته العالية التي سوف يحصل عليها من وراء عمله واجتهاده الدائم”. مكانة الخيل في الوجدان الشعبي تنزاح قليلًا هنا عن البياض، ليكون أكثر سطوعًا ولمعانًا، ويكون الحصان الفضي اللامع كمعنى يومض في الحلم والذاكرة.

تساؤلات الوجود

هذه الأحداث والشخوص التي تتجول عبر الأساطير، وتعبر البرزخ الفاصل بين الحياة والموت، كلها مجتمعة ثمة قزم يرسم ويخط حركتها وسلوكها، وكل روائي يحركه، أو يكتبه، روائي آخر. هكذا هي الحياة، متواليات لانهائية، إذ في كل وجود ثمة خالق يرسم حيوات سواه، من الكاتب، إلى الرسام، أو النحات، في متوالية خلق لا تنتهي، وكل واحدة منها ثمة من هو أعلى منها يحركها ويديرها، في فانتازيا أبعاد الوجود وأشكال الحياة المتناقضة، من قبر في زنزانة، إلى حياة على ورق يكتبها قزم، أو من نهاية في بئر لمتوحد أبدًا في موته، ليخاتلنا في من كتب الحكاية ونقلها لنا: هل هو الميت؛ أم رفقاؤه في الزنزانة؛ أم ميساء؛ أم حكاية كتبها مجهول؛ وهل الدوكودراما هي قزم آخر يروي حكاية هؤلاء وتاريخهم في حركة مكر من الكاتب كي لا يصل بقارئه إلى بر اليقين، ويبقيه متشككًا في كل الثوابت، وفي كل شيء، في رؤية ما بعد حداثية، وليبقي كل الأسئلة مشرعة.

هامش:
(*) الماندالا: هي صورة تجريدية، وتعني “الدائرة” باللغة السنسكريتية. وكان كارل يونغ، عالم النفس السويسري، أول من اهتم بهذا الرمز الأسطوري القديم، الذي استخدمه البوذيون للشفاء من أثر السحر. واعتقد يونغ أنه عندما يرسم المرء ماندالا، أو يلوِّنها، فإنَّ رغباته في العقل الباطن يتم التعبير عنها في أنماط هذه الماندالا، ورموزها، وأشكالها. ووجد يونغ أثناء ممارسته العلاج النفسي أنَّ الماندالا ذات أثر “سحري”، حيث تحوِّل الارتباك في داخل النفس إلى نظام، وكثيرًا ما تؤثر على الشخص بصور لا تظهر إلا في ما بعد.
ويعود نجاح الماندالا في العلاج النفسي إلى أنها تتيح للعقل الباطن أن يتحرر، وأن يُظهر كل ما كبته الإنسان في داخله. وأشهر رموزها الهندسية: شكل البيضة، زهرة اللوتس، النجمة السداسية، الشمس، الحية، القِلاع، المدن، والعيون.. وهي تعكس أو توضح العمليات التي تحدث في الأعماق بعيدًا عن التفكير الواعي للفرد، وعندما يفسِّر هذه الصور تفسيرًا ذا معنى، فإن هذا يكون بداية عملية الشفاء، كما لاحظ يونغ.

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق