دراسات نقدية

المتجردة واليتيمة رَسْمَان لِجَسَدٍ وَاحِدٍ

غازي عبد العزيز عبد الرحمن (سورية)

لم يكن جسدُ المرأةِ ووصفُه حديث عهد لدى الشعراء ، بل كان ومنذ عصور قديمة هو الشذر الذي يقشب جلَّ صور الأدب والحكايات والأساطير بكل تفاصيل جمالها وعذوبة أنفاسها وهو النبع الثرُّ الذي ينهلُ من معينه الشعراء مدادًا لصورِ الجَمال والرِّقَةِ والعذوبةِ، فالموروث الشعبي والثقافي العربي ملِيء بالكتابة عن جسد المرأة وجمالها وأنوثتها والحاجة إليها والتشبب بها منذ بواكير الأدب الجاهلي إلى يومنا هذا ، فكتبَ الشعراءُ وتغنى العربُ بما أحبُّوه فيها من مفاتنَ وسحرٍ ، بكتابات تناولت أدقَّ التفاصيل، وكأنك في بعض أشعارهم تتمثل الجسدَ لوحةً ناطقةً أمامك تفيض بعطر الإثارة لينفذ الوهجُ إلى مسامات المشاعر والأحاسيس ، وفي هذا القصيدِ نقفُ أمامَ جسدٍ رسمتْهُ ريشتان شعريتان بأدق كلمات الوصف وألوان التعبير، فبالرغم من انتماء القصيدتين لحقبتين شعريتين متباعدتين نجدهما وكأنهما قصيدة واحدة لشاعر واحد فكلاهما داليتا الروي محمولتان على موسيقا البحر الكامل تناولتا في الوصف ذات المَواطِنِ في الجسد الأنثوي ،وبمفردات وصور تكاد تكون ذات الدلالة والروح ، وهاتان القصيدتان هما متجردةُ النابغة الذبياني، ويتيمةُ دوقلة المنبجي.
وهنا لابد من وقفة مع مبدِعَي هاتَيْن القصيدتين وقصة كلٍّ منهما: فالنابغة الذبياني هو زياد بن معاوية (وكنيته أبو أمامة) ويرجح أن تكون ولادته بين عامي 525 و530 للميلاد وهو من شعراء المعلقات وقد نال هذا اللقب لنبوغه في الشعر وتفوقه فيه منذ حداثة سنه، وهو أحد أهم وأقوى شعراء العرب في العصر الجاهلي،كانت تُضرب له قبة بسوق عكاظ ليعرض الشعراء قصائدهم عليها.ومن أهم ما قال في شعر الحب، قصيدتَه المشهورة المتجردة ، في زوجة النعمان وقد وصفَ جسدَها بأدقِّ التفاصيل وهي تُعدُّ من أجرأ وأروع أشعار النابغة ومن عيون الشعر العربي وأصبحت أشهر قصائده على الإطلاق،فالمتجردة ملكة جَمال العصر الجاهلي،وصَفَها الشاعر بشكل فوتوغرافي تفصيلي وقد كانت فائقة الحسن ممتلئة الجسد ، جريئة و ترغب أن تكون محط الإعجاب، وشاعرنا النابغة الذبياني كان من أقرب المقربين إلى الملك النعمان بن المنذر وشاعر بلاطه ونديمه،وقد جعله النعمان في حاشيته ينادمه ويؤاكله في آنية من الذهب لدرجة أن الكلفة كانت مرفوعة بينهما.
ففي إحدى الليالي الساهرة، مرت المتجردة وهي زوجة النعمان المعجب بجمالها أمام ندمائه فسقط نصيفها، أو إزارها،فانحنت على الأرض تلتقطه لتداري حسنها ، وقامت بتغطية وجهها بذراعها، إلا أن النابغة بهت من جمال المشهد الذي رآه ، ومن موقف النعمان الذي لم يغضَبْ من سقوط خمار زوجته أمام ضيوفه بل صار يضحك ويقول للنابغة:والله يا أبا أمامة إن ماحدث يستحق منك قصيدة ، وفي الليلة التالية، وبعد أن عملت الخمرة عملها في رؤوس الندماء، ألقى النابغة قصيدته المشهورة …
أما دوقلة المنبجي / وإن كان ثمة خلاف في عصره ونَسْبِ اليتيمة إليه إلا أن المرجح أنه/ : هو الحسين بن محمد المنبجي، نسبة لبلدة منبج السورية المعروفة وهو في الأغلب من شعراء العصر العباسي الأول ، أما قصيدة اليتيمة فهي من أروع الشعر العربي عشقاً ورقّة ووصفاً ، وقد تنازع عليها كثير من الشعراء ، لكن استقرت الآراء بنسبتها إلى دوقلة المنبجي، الذي لم تنسب إليه قصيدة أخرى لذلك سُميت باليتيمة وقيل لأنها لا شبيه لها من الشعر العربي نظرًا لقوة سبكها ، ووضوح مقاصدها ، وأما قصتها فهي :كان لأحد أمراء نجد ابنة فائقة الجمال مبدعة في الشعر اسمها (دعد) تهافت عليها الخطَّاب وهي ترفض وتشترط في من يتزوجها أن يصِفَها بقصيدة تخلدها وتكون أجمل من شعرها…تسابق الشعراء في وصفِ الأميرة دعد رغبة في الحظوة والزواج، ولكنها كانت تنتقد قصائدهم وتُظهر ما فيها من العيوب، فسمع دوقلة المنبجي بالقصة ، فأبدع قصيدته الشهيرة، وسار إلى الأميرة يريد أن ينشدها بين يديها، وفي الطريق صاحَبَه أعرابي وسأله عن سبب سفره فذكره له وأسمعه القصيدة فطرب لها الأعرابي وطلب إعادتها مراراً و دوقلة مسرور من إعجاب الأعرابي بشعره، حتى حفظ الأعرابي القصيدة كاملة، فقتل دوقلة غِيلة وهو نائم وحثّ الخطى إلى الأميرة دعد وأنشد بين يديها القصيدة فطربت لها طرباً شديداً، وطلبت من الأعرابي أن يزيد فيها بيتاً ، فعجز، وحاورته فأحست أنه كاذب وقاتل، فقالت لحراسها: اقتلوه فإنه قتل مبدع القصيدة وسرقها ، وفي رواية أخرى صرخت قائلة : اقتلوه إنه قاتل بَعْلِي
وأقول بحق نحن مع رسَّامَيْن من طراز رفيع يصل للمعجزة الإلهامية بهذا التشكيل الناطق شِبه الموحد في الإباحية للوصف الدقيق لمفاتن المرأة .
ففي المطلع الطلولي الذي اعتاد الشعراء وخاصة الجاهليين الانطلاق منه في فضاءات قصائد العشق والتوَلُّه ، يتساءل النابغة:
أمن آل مية رائح أو مغتد عجلانَ، ذا زادٍ، وغيرَ مزودِ
أَفِل التّرَحّلُ، غير أنّ ركابنا لما تزلْ برحالنا، وكأنْ قد
ويتساءل دوقلة: هـــل بالـطـلـول لـسـائــل ٍ ردّ أم هـــل لـهــا بتـكـلّـم ٍ عـهــدُ
دَرَس الجديدُ ، جديـدُ معهدهـا فكـأنـمـا هـــي ريـطــة جـــرد
وفي لغة العيون التي هي نوافذ الروح بين قلوب العاشقين ووسيلةٌ الفهم لما في النفوس من بثًّ لِلِوَاعِجِ الشوق وتوهُّجٍ لجذوة الوجد عبر الرمي بسهام النظرات المتقدة ، يقول النابغة:
في إثر غانية رمتك بسهمها فأصاب قلبك غير أن لم تُقصِدِ
نظرت بمقلة شادن متربب أحوى أحم المقلتين مقلد
نظرت إليك بحاجة لم تقضيها نظر المريض إلى وجوه العود
ويقول دولقة: وكأنها وسنى إذا نظرت أو مدنف لما يفق بعد
بفتور عين مابها رمد وبها تداوى الأعين الرمد
لقد أحب الشاعِرَان كعادة العرب الشَّعر الطويل الأسود وهذا من مواطن جمال المرأة إلى يومنا هذا فيقول النابغة:
وبفاحم رَجْلٍ أثيث نبته كالكرم مال على الدعام المسند
ويقول دوقلة :ويزين فوديها اذا حسرت ضافي الغدائر فاحم جعد
فالوجه مثل الصبح مبيض والشعر مثل الليل مسود
وكان البياض المعرَّق بالأحمر لكلا الجسدين ينبض بالجمال والجاذبية فبين بياض المرمر وحمرة الآجر تراءت للنابغة :
أو دُميَة ٍمِنْ مَرْمَرٍ، مرفوعة ٍبُنيتْ بآجرٍ، تشادُ، وقرمد
أما دوقلة فيقول:بيضاء قد لبس الأديم بهاء الحسن فهو لجلدها جلد
وتريك عرنينا يزينه شمم وخدا لونه الورد
وكلاهما تمثل الصبح أو طلوع الشمس لربط جمال الوجه بجمال الطبيعة في الإشراق والبهاء فيقول النابغة :
قامت تراءى بين سجفي كلة كالشمس يوم طلوعها بالأسعد
ويقول دوقلة :فالوجه مثل الصبح مبيض والشعر مثل الليل مسود
وحيث أن نحر المرأة من مواطن الجمال عند العرب وقد تغنى الشعراء بالنحر الطويلة البيضاء المخضبة بحمرة بين توقد الذهب وفتور الورد يقول النابغة:
والنظم في سلك يزين نحرها ذهب توقد كالشهاب الموقد
ويقول دولقة: وكأنما سقيت ترائبها والنحر ماء الورد إذ تبدو
وفي جمال اليد والمعصمين والأصابع يقول النابغة عندما سقط النصيف وحاولت أن تواري حسنها ومفاتنها اتقتهم بكف حمراء يكاد بنانها يعقد من لطافته ونعومته:
سقط النصيف ولم ترد إسقاطه فتناولته واتقتنا باليد
بمخضب رخص كأن بنانه عَنْم يكاد من اللطافة يعقد
وبذات الريشة وذات الألوان يرسُم دوقلة معصمي دعد وأصابعها فيقول:
والمعصمان فما يرى لهما من نعمة وبضاضة زند
ولها بنان لو أردت له عقدا بكفك أمكن العقد
وفي القوام كأنهما على موعد في حب القامة الممتلئة غير ثقيلة الأرداف يقول النابغة:
محطوطة المتنين غير مفاضة ريا الروادف بضة المتجرد
قامت تراءى بين سجفي كلة كالشمس يوم طلوعها بالأسعد
ويقول دوقلة: فقيامها مثنى إذا نهضت من ثقلها وقعودها فرد
ما عابها طول ولا قصر في خلقها فقوامها قصد
أما الخصر فلم يكن في منأى عن التصوير لشاعِرَين أبدعا في هذا الفن ، وكيف لا والخصر الضامر النحيل الناعم وهو الغصن المياد اللين المتثني هو الذي يمنح الناظر عشق الحياة وجمال المرأة ، يقول النابغة:
صفراء كالسيراء أكمل خلقها كالغصن في غلوائه المتأود
ويقول دوقلة: وبخصرها هيف يزينه فإذ تنوء يكاد ينقد
وقد تناول الشاعران كعادة الشعراء العرب البطن وكأنهما يرسمان بريشة واحدة مكامن الإثارة ومواطن الجمال والشهوة لبطن في طياتها نعومة القماش ورقة الانثناء فيقول النابغة:
والبطن ذو عكن لطيف طيه والإتب تنفجه بثدي مقعد
ويقول دوقلة:والبطن مطوي كما طويت بيض الرياط يصونها الملد
وفي النهد الذي هو روضة الصدر ومركز الاشتهاء فهو عند النابغة لافتا في بروزه قائمًا منتصبًا فيقول :
والبطن ذو عكن لطيف طيه والإتب تنفجه بثدي مقعد
أما دوقلة فيتجاوز حدود الوصف ليجد النهدين كحق العاج صفاءً وبياضًا لا بل يزينان الصدر كنافورتين تبعثان بالطيب :
والصدرمنها قد يزينه نهد كَحُق العاج إذ يبدو
وبصدرها حقان خلتهما كافورتين علاهما ند
وكعادة العرب في حب الأفخاذ والسيقان لما فيها من مكامن السحر والجمال ولفت الأنظار وإن لم ينقل النابغة الصورة مباشرة إلا أن دوقلة رسم فيهما رسمًا جميلا فقال :
والساق خرعبة منعمة عبلت فطوق الحجل منسد
ومشت على قدمين خصرتا والتفتا فتكامل القد
والتف فخذاها وفوقهما كفل يجاذب خصرها نهد
وفي جرأة التعبير يتعمق الشاعران في رسم دقيق لِلَمْسِ الفرج وجَسِّه فيقول النابغة :
فإذا لمستَلمستَ أجثمَ جاثِمًا متحيزًا بمكانِهِ ملء اليَدِ
ويقول دوقلة: ولها هَنٌ رابٌ مجستهُ وعرُ المسالِكِ حشوُهُ وقْدُ
لا بل تزداد الجرأة توهجًا وحرارة إلى وصف إغواءات الفعل الجنسي وحركاته في طعن واستهداف موضع الإثارة الجنسية بكل تفاصيلها بطريقة تحرك المشاعر وتهيِّج الشهوة وبأسلوب يحمل ذات اللون وذات الصوت ، يقول النابغة:
وإذا طعنت طعنت في مستهدف رابي المجسة بالعبير مقرمد
وإذا نزعت نزعت عن مستحصف نزع الحزور بالرشاء المحصد
وإذا يعض تشده أعضاؤه عض الكبير من الرجال الأدرد
ويقول دوقلة: فإذا طعنت طعنت في لبد وإذا نزعت يكاد ينسد
والتف فخذاها وفوقهما كفل يجاذب خصرها نهد
بهذا الوصف البارع والرسم الدقيق والتصوير الحسي المرئي كنا مع الرسَّامَيْن المبدعين النابغة الذبياني ودوقلة المنبجي وبهذا التشكيل الناطق شِبه الموحد في الإباحية للوصف الدقيق لمفاتن المرأة . امتزجت الألوان واتفقت الرؤيا بين السرد الشعري والإثارة الحسية والنبوغ الأدبي الجميل في نقل حدثين مثيرين لروحين وجسدين في قصتين مليئتين بالإثارة والطرافة والغرابة فتبوأتا مكانتين مرموقتين في مخطوطات الأدب وأسفاره لدى المهتمين والنقاد.
الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق