تصوير فوتوغرافي

تكريم جورج عشي وصالح الرفاعي

فريد ظفور (سورية)

فارسا اللون الأحادي في بلاد الشام على منصة التكريم في الإتحاد العربي للثقافة..
تتألق النوافذ المعرفية بالأضواء واحدة تلو أخرى..مثلما تضاء مسارح الحياة.. ويتوارى عن الأنظار بحر بيروت العبق وراء الضباب..
وتبدو السفن الثقافية التي تتهيأ للإبحار نحو بلاد الشام وباقي الأقطار..
مثل البيوت والمطاعم والأندية والفنادق والمساجد والكنائس المترامية على تلك الشواطيء..
وهي محملة بالذكريات..تلك الظلال الطويلة الممتدة لأجسادنا الضئيلة..الذكريات الحية الجميلة..
يوم كانت تصدر مجلة فن التصوير الورقية اللبنانية في بيروت بإدارة الفنان زهير سعادة ورئاسة التحرير للأستاذ صالح الرفاعي..
مع لفيف من المبدعين والمصورين والصحفيين في لبنان وخارجها..
وكما تتبدل ألوان الفصول تتبدل طبائع البشر وأفكارهم..وكل ما في العالم تغير..ونستقبل شمساً تائهة في الآفاق ..
تمر الآن وتنحني في خريف عمر يتقدم ببطء شديد..والقمر الكانوني العنيد يتألق وهو يمتليء ببشائر الميلاد فوق مدينتي بيروت ودمشق..
مدينة الياسمين التي تكشف عن وجه ثقافي جميل للإتحاد العربي للثقافة..الذي يتصدى لمسابقة عن نبض الشارع العربي..
وتنجح المسابقة بجهود نخبة من الفنانين العرب..ويتم تدارس إقتراح تكريم بعض من رموز ورواد الفن الضوئي..
ويكون التكريم بإقتراح من الزميلين طه كريوي ومحمود الجزائري صاحب اليوم العالمي للأبيض والأسود.
.وتنبري الدكتور عائشة الخضر مشكورة للتصدي لمبادرة تكريم خمسة زائد واحد من جهابذة ورموز الفوتوغرافيا العربية وهم:
أديب شعبان العاني من العراق –
صالح الرفاعي من لبنان –
الدكتور رمسيس مرزوق من مصر –
الأستاذ محمد كرازة من ليبيا –
الأستاذ عبد الرحمن الگارح من المغرب –
الأستاذ جورج عشي من سوريا..
ولا سيما ممن كان لهم باع طويل في تصوير الأبيض والأسود ..
ليكون التكريم متناسباً مع الحدث (اليوم العالمي للأبيض والأسود)..
وتشاء الصدف بأن يكون فارسان من فرسان الضوء من بلاد الشام..
وهما المصوران والصحفيان البرفسور صالح الرفاعي والفنان المتعدد المثالب جورج عشي..
ضمن كوكبة المكرمين على منصة التتويج ..فمن هما ضيفينا المبجلين:
رياح عاصفة كئيبة ..عبق الفن والأدب والصحافة ..يمتزج مع حمام الأمطار المتساقطة..خصلة عشب ومجموعة أوراق ميتة تحت النوافذ ..تتقاذفها سواقي المطر والرياح..وما نحن في ساحاتها سوى أضواء تائهة ..عطرة مثمرة..والغرق الشتائي وحده يلائم أدعيات الفلاحين ..لكي تحيا الأرض وتثمر..
صالح الرفاعي..دبلوماسي بإمتياز ..هاديء رزين..متبصر للأمور ..فاعل ومنفعل..يحترم وقته وعمله..يحبه طلبته وزملاؤه..إجتماعي وحيوي..دائم العطاء بلا حدود..ومايزال يرفع راية التعليم والفن بين الطلبة منذ ماينيف عن النصف قرن..
جورج عشي..فنان يحب الفكاهة ويعرف كيف ينصت حين يتكلم الآخرين..وإذا تكلم جاء حديثه بلسماً للجراح ذكياً لامعاً ساخراً مرحاً..مرهف الحساسية..طيب معطاء ومحب للفن والأدب ..قدم من عمره ما يزيد عن النصف قرن من العمل دون كلل أو تعب أو ملل..
ولكنه مثل زميله البرفسور صالح الرفاعي..كلاهما مصابان بمرض الحقيقة والبحث عنها..إنهما كانا يعملان في في مهنة الصحافة مهنة المتاعب والبحث عن الخبر والركوض وراء الحقيقة الممهورة والموثقة بالصور..ولديهم الآلاف من الصور والأوراق التي تحتوي على تاريخ كل من مر بمدينتي دمشق وبيروت من فنانين وأدباء وسياسيين وتشكيليين ومصورين وصحفيين..وكلاهما يعرف العالم الذي يحيط بنا حق المعرفة..وهذا إمتياز الإصابة بمرض الحقيقة..لذلك لفظهما المجتمع لأنه يخاف منهما..وهناك من يقول بأن الكثير من الأشخاص سيصابون بالمرض مثلنا..وسينضمون قريباً إلى صحبتنا..وهناك البعض يراهن على العكس..لأن عدد المصابين بالداء يزداد يومياً..فلقد أصابت الجرثومة العديد من الناس في الفترة الأخيرة..والعدوى تنتشر بسرعةوأشخاص يمرون الآن بمرحلة الحمى التي يجلبها الداء..ونحن صارمون في التمييز بين الحمى الزائفة العابرة وبين الحمى الحقيقية….وعند شبان وشابات اليوم إستعداد للإصابة بحمى الحقيقة ..ولكن دعونا نقول لكم شيئاً يامعشر الشباب..عندما تصابون جميعاً بالمرض وتشعرون بحمى الحقيقة تلهب عروقكم..إفتحوا أعينكم ونوافذكم ولا تغلقوا علينا نحن معشر المصورين والمفكرين والفنانين والأدباء..أقفاصاً رخامية ولا تنقشوا أسماءنا على لوحات الحجر..فهذا دواء إستعمله المجتمع من زمن طويل فهو يحترمنا علناً..لكن هذا الإحترام ليس إلا مكراً كاذباً..فلا تفعلوا بنا مثلهم عندما تلسع الحقيقة دماءكم وعقولكم..كونوا هادئين ..
لا تحنطونا على أطراف الشوارع وفي الحدائق ولا تقيموا لنا التماثيل في الساحات العامة..بل إحملونا في أفئدتكم وقلوبكم وفكركم أينما ذهبتم في المدرسة والحقل والشارع والمقهى..في كتبكم وأحاديثكم وفي إبتهاج إمسياتكم ..هكذا فقط نبقى أحياء ونستطيع مسامرتكم ومنادمتكم..
ولكن الحقيقة التي ننشدها عن الرفاعي والعشي..ليست الشكلانية وليست المعنى الظاهري للكلمة..بل نحن أمام قامة فنية خبرتها الحياة وعجنتها وأنضجت منها خبز فنياً وأدبياً قلما نجد نظيره..فالفنان جورج مثلث أضلاعة متساوية بين الشعر الغنائي الذي نظم فيه أكثر من ألف أغنية لحنها وغناها أشهر الملحنين والمطربين والمطربات العرب..ناهيك عن المعارض التشكيلية التي قدمها وأيضاً المعارض الضوئية والعمل الصحفي والأرشيف الغني والمتنوع والذي يصلح ليكون نواة متحف فوتوغرافي للفن الضوئي العربي والسوري..وأما الفنان صالح فهو الصحفي اللبناني المخضرم الذي خاض معظم الحروب والنزاعات في لبنان بعدسات كاميراته..وتفرغ للكتابة والنقد والتعليم منذ ردح من الزمن..ليكتب إسمه في سفر التكوين والتنشأة البصرية والفنية الفوتوغرافية بين طلبة العلم والفن في لبنان وخارجها..لكن أية محاولة للتعريف بهاذين النموذجين من بلاد الشام يجب أن تأخذ بحسبانها موجه من العلاقة الإنسانية..فأنا ( فريد ظفور)الصحفي العاشق للفن الضوئي والتلميذ الذي تعلم في كنف فنهما وترعرع بين أحضان كتب الأستاذ المصري عبد الفتاح رياض..وبين ربوع مجلة فن التصوير التي عملت مراسلاً لمجلة فن التصوير الورقية اللبنانية طيلة خمس سنوات من صدورها..ولكن يد المنون وآثار الحرب الأهلية إمتدت لتطال طفلة التصوير وهي في المهد..ونصبح نحن عشاق الفوتوغرافيا يتامى من بعدها..ما أريد سرده بأن المجلة كانت سبيل المعرفة والعلاقة بين أستاذ رئيس تحرير لها وتلميذ ومراسل يبحث عن لقاءات وعلاقات مع الوسط الفني والثقافي السوري في بلاد الشام وعاصمة الياسمين..
فمن اللقاءات لقاء في دمشق مع صاحب الإمتياز الأستاذ زهير سعادة..وآخر مع الأستاذ صالح الرفاعي في بيروت عاصمة الثقافة العربية..ناهيك عن المراسلات..وتشاء الظروف وأبتعد مايقارب العقدين من الزمن عن الوسط الفني والأدبي والثقافي بالعاصمة لينتقل نشاطي إلى مدينة ابن الوليد حيث النشاط المتواضع نسبياً مقارنة مع المركز بالشام..
ولا يفوتني أن أتذكر الأستاذ الفنان والشاعر جورج عشي الذي جمعتني به أيضاً ظروف مشابهة سببها العلاقة مع المجلة..فكانت لقاءات جميلة وجلسات ثمينة وزيارات للمعارض والتعرف ببعض القامات الفنية الضوئية والتشكيلية والصحفية السورية عن طريقه..
كان تركيز الإهتمام والإنتباه على فارسين من فرسان اللون الأحادي بالوطن العربي عامة وفي بلاد الشام خاصة..لكن ثمة مشاورات وتشاورات قمت بها مع لفيف من أصحاب الِفن الفوتوغرافي بالوطن العربي..فعلاوة عن التشاور مع لجنة التحكيم والإعداد في مسابقة نبض الشارع والمؤلفة من السادة:
فاضل المتغوي – طه كريوي -أنطون مزاوي – محمد شبيب – بهاء الدين قزويني -** د. عائشة الخضر – جلال المسيرى – فريد ظفور – د. خالد نصار – الاستاذ عبد العالي الخشين (كاسفان) ….
التي أقامها الإتحاد العربي للثقافة بإدارة الدكتورة عائشة الخضر.. كانت هناك إتصالات مكثفة مع الدكتور الفنان خالد نصار المشرف على منصة صفحة فنانون بلا حدود ومعارض صرخة لون والهاند ميل..والفنان محمود الجزائري صاحب مبادرة اليوم العالمي للأبيض والأسود..وأيضاً الدكتور صلاح حيدر رئيس تحرير صحيفة عرب فوتو..والفنان عبد الرحيم العرجان صاحب مجلة العرجان..وبعض الزملاء المختصين بالفوتوغرافيا..منهم الأستاذ صباح الجماسي ..وغيرهم..كانت كلها جولات مكوكية وإتصالات مكثفة ليتم ترشيح وإقتراح وتدارس فكرة تكريم عدد من رواد الفن الضوئي العربي شريطة أن يكون الأكبر سناً والذي مايزان يعمل ويقدم للفن الضوئي اعمالاً حتى تاريخه..
ولكن كان عصا السبق والفضل لجهود الدكتورة عائشة وللأستاذ محمود الجزائري بأن يكون اليوم العالمي للأبيض والأسود علامة فارقة في تاريخ التصوير العربي..
وكان من المفترض الإتصال مع الفنان يحيى مساد صاحب المواهب الفوتوغرافية..والفنان رفيق كحالة صاحب أخبار فن التصوير الفوتوغرافي..ومع الأستاذ عبد اللطيف العكرمي..وغيرهم..ولا ننسى بأنه قديظن البعض بأن بعض الدول العربية قد ظلمت لعدم وجود فنانين رواد منها..ولكن ما هذا إلا أول الغيث وسيكون هناك تكريم سنوي وبنفس الوقت باليوم العالمي للأبيض والأسود..وإذ يحدونا الأمل بأن يتم تكريم هذه السلة من الفنانين وغيرهم من قبل الفعاليات الفنية والوزارات المختصة وجائز ة حمدان للتصوير ..والأندية والجمعيات والمؤسسات والإتحادات في المستقبل القريب..سيما وأن يكون التكريم للفنانين الأحياء منهم ليشعروا بطعم وسعادة الإحتفاء بهم ..لا أن يكون ذلك بعد مغادرتهم الحياة وخسارتنا لهم ولفنهم..وحتى يبقى المبدعون العرب والرواد منارة هداية ونبراساً وهاجاً لمسيرة وعشاق الفوتوغرافيا من هواة ومحترفين وطلبة العلم والفن..
* المصور : فريد ظفور – بمناسبة تكريم الرواد في -12-12-2020م
الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق