حارات مقدسية

حارة أفتيموس والمارستان

السوق هو مكان مخصص لعرض السلع للمشترين، وتحتوي البلدة القديمة على 21 سوق، تمت تسمية معظمها على اسم السلع التي تُباع فيها، مثل: سوق اللحامين لبيع اللحوم، وسوق الحصر الذي سمي نسبة لكثرة بيع الحصائر والسجاد فيه، وسوق العطارين الذي أُشتهر ببيع البهارات الأعشاب الطبية، وغيرهم الكثير من الأسواق المهمة والتي تعمل على إنعاش البلدة القديمة

واليوم حديثنا عن حارة وسوق أفتيموس

سمي سوق أفتيموس على اسم الأرشمندريت اليوناني  أفتيموس  الذي بنى هذا السوق في أوائل القرن العشرين في عام 1902، في العهد العثماني، ويقع السوق إلى الغرب من كنيسة المخلص الألمانية والى الجنوب الشرقي من كنيسة القيامة. ويمتاز هذا السوق بعمارته الغربية حيث أن مدخله الشمالي عبارة عن قوس نصر مكون من ثلاثة عقود كبيرة بنيت بأسلوب الأبلق (تناوب ألوان الحجارة الأحمر الكر ميدي مع الأبيض) متأثرا بعمارة القدس الإسلامية، وفي وسط السوق نافورة مياه كبيرة وجميلة، في تصميها صدى للنوافير الكلاسيكية من حيث وجود الإشكال الآدمية والحيوانية من مخارج مياها. وتقوم دكاكين السوق على جانبيه وحول النافورة

 وهو احدث أسواق القدس، وللوصول إليها، يستمر في طريق باب السلسلة حتى نهايته، ومن ثم التوجه يمينا (شمالا) حيث بداية الأسواق الثلاثة (الخواجات، والعطارين واللحامين)، والاستمرار باتجاه باب الخليل مع الانعطاف يمينا لمرة ثانية عند بداية طريق المارستان(البيمارستان)، حيث تقوم النافورة على بعد بضعة أمتار إلى الغرب  ،واشترى أرضه البطريرك أثناسيوس سنة 1837م  من آل العلمي، وآلت إلى أملاك البطريركية الأرثوذكسية، وقد كان هذ السوق في أواسط القرن العشرين من أجمل أسواق المدينة وكان له بوابات حديدية على مداخله الأربعة  تُغلق ليلاً

تبلغ مساحة سوق أفتيموس نحو 13 دونما وله أربعة مداخل تؤدي إلى ساحة مركزية تتوسطها نافورة مياه كلاسيكية تحتوي على تماثيل آدمية وحيوانية من مخارج مياهها على النمط الروماني، وكان السوق في الأصل وقف بيمارستان الإسلامي الذي يعود للفترة الأيوبية في عهد الخليفة صلاح الدين الأيوبي.

يقع في هذا السوق مسجد عمر بن الخطاب وأربع كنائس، من بينها كنيسة يوحنا المعمدان، وهي أقدم كنيسة للروم الارثوذوكس في مدينة القدس، وبنيت في القرن الخامس الميلادي، وكنيسة القيامة التي تعد الكنيسة الأم للعالم المسيحي، وكنيسة الفادي اللوثرية الألمانية التي بنيت عام 1898، وكنيسة ألكسندر نيف سكي الروسية عام 1902.

ويلاصق دير السيدة، بالقرب من مسجد الخانقاه الصلاحية مسجد الخانقاه (الزاوية الصلاحية) مسجد أثري يقع داخل أسوار البلدة القديمة لمدينة القدس، في حارة النصارى، بالقرب من كنيسة القيامة.و أن صلاح الدين الأيوبي هو من بناه بعد معركة حطين في سنة 583 هـ / 1187 م، فنسبت إليه، وأوقفها على الصوفية في سنة 585 هـ/ 1189 م. وهي أول خانقاه أنشئت في القدس بعد تحريرها. وقد كان لها دور ملموس في الحركة الفكرية في القدس، إلى جانب دورها في التصوف. وقد تولى مشيختها عدد من العلماء المتصوفة

كانت مشيختها من الوظائف السنية المهمة حيث كان البناء يحوي على مسجد ومدرسة ومكان عام للجلوس وصالة للطعام ومكان للتدريب العسكري، فكان بذلك الخانقاه مركزًا إسلاميًا مهم في مدينة القدس، وقد أوقفه صلاح الدين للمسلمين من ذلك الوقت حتى عهد الانتداب البريطاني على فلسطين، والخانقاه مركز إشعاع حضاري في فلسطين نظرًا لقربه من كنيسة القيامة. يبلغ طول المسجد 20 متر وعرضه ستة أمتار، وقد تم إغلاقه لسنوات بعد حرب 1967م

وهي عبارة عن مجمع معماري كامل يتكون من مسجد، وغرف للسكن، ومرافق عامة. وفي العصر المملوكي، بنى شيخها برهان الدين بن غانم مئذنتها، وكان ذلك في سنة 840 هـ / 1417 م. ويتوصل إليها عبر مدخل معقود، يؤدي إلى درّكاه، يقابلها مسجد صغير. ويتوصل منها إلى الطابق الثاني بوساطة سلم حجري. وفي الطابق الثاني مسجد كبير، وله محراب لطيف الشكل. وفوقه نقش كتابي عل لوح رخامي. ويبين هذا النقش اسم المنشئ وهو عيسى بن أحمد بن غانم، كما يبين سنة الإنشاء، وقد كانت 714 هـ / 1340 م. وأما الأجزاء الأخرى من الخانقاه، فهي غرف علوية كانت تستعمل مساكن لسكنى شيخ الخانقاه، والصوفية

اشتهر سوق أفتيموس على مدار عقود بحرفة الدباغة، وكان يعج بالمحال التي تصنع المنتجات الجلدية من حقائب وأحذية وملابس، لكن هذه الحرفة بدأت تتلاشى تدريجيا من السوق

ومن أهم المعالم المجاورة : البيمارستان

تم إنشاء هذا البيمارستان سنة 583هـ – 1187م، في الحي المعروف الآن بالدباغة، وكان فيما مضى يشمل المكان المعروف بسوق البازار والبقعة الكائنة في شماله وشطراً من الأرض التي تقوم عليها كنيسة الدباغة  وشطراً من الأرض التي تقوم عليها سوق أفتيموس للروم الأرثوذكس

جاء في كتاب “تاريخ البيمارستان في الإسلام “: أن السلطان صلاح الدين، عندما فتح القدس، أمر بأن تجعل الكنيسة المجاورة لدار الاسبتار بقرب قمامة بيمارستان للمرضى، ووقف عليها مواضع 3، وزودها بالأدوية والعقاقير الغزيرة. وفوض القضاء والنظر في هذه الوقوف إلى القاضي بهاء الدين يوسف بن رافع أبي تميم. وقال النويري: وعزم السلطان صلاح الدين على الحج، ثم عاد إلى القدس ورتب أحواله، وعين الكنيسة التي في شارع قمامة بيمارستان، ونقل إليه العقاقير والأدوية. ولقد ذاع صيت هذا البيمارستان في عهد صلاح الدين وفي العهود التي تلته. إذ كان يداوي الجرحى والمرضى من الجنود والآهلين، ويوزع الأدوية والعقاقير على الناس بلا مقابل

ومن الأطباء الذين عملوا في المارستان ألصلاحي بالقدس رشيد الدين بن علي الصوري المكنَّى بأبي الفضل، وقيل إن اسمه الحقيقي أبو المنصور بن أبي الفضل بن علي الصوري، ولد في صور، وتعلم صناعة الطب، وأقام بالقدس يطبب المرضى (612هـ – 1214م)، وكان وحيد زمانه في معرفة الأدوية، فقربه الملك العادل إليه، وبعد وفاة الملك العادل صار طبيباً لابنه الملك المعظم عيسى، وله عدة مؤلفات، توفي سنة (639هـ – 1242م)

ومنهم: يعقوب بن صقلان (وفي قول آخر صقلاب) النصراني المقدسي. ولد بالقدس وقرأ الحكمة والطب، وأقام بالقدس في مباشرة البيمارستان ألصلاحي. ذكره ابن القفطي في كتابه (تاريخ الحكماء) فقال: إنه ظل مقيماً فيه حتى عام (615هـ – 1218م) وكان من المقربين إلى الملك المعظم عيسى بن الملك العادل فنقله إلى دمشق، وصار طبيبه الخاص وأصابه نقرس ووجع مفاصل أقعده عن الحركة، حتى قيل: إن الملك المعظم إذا احتاج إليه استدعاه في محفة تحمل بين الرجال.

قال الأستاذ رئيف الساعاتي: إن هذا البيمارستان انْهارَ كغيره من المباني مع الأيام. وإن الزلزال الذي حدث عام 1458م أتى على البقية الباقية من أنقاضه. ولعله يقصد البناء الأصلي الذي شيده صلاح الدين. إذ أن السجلات التي عثرنا عليها في المحكمة الشرعية بالقدس، تدل على أنه كانت هناك في أواسط القرن الثامن عشر، مؤسسة تعرف بالمارستان ألصلاحي، حتى إن القاضي عيَّنَ زينَ بن إمام قلعة البرك في وظيفة خدمة المرضى والمجانين بالمارستان ألصلاحي عوضاً عن حجازي بن العجمية لوفاته. وقد أمره بتقوى الله في عمله، وبالاستنابة عند الحاجة. . وقبل ذلك، وفي سنة (1167 هـ – 1753م) كان متولي وقف البيمارستان ألصلاحي محمد بن نجم الدين أفندي العلمي

وفي عام (1869 ميلادية) وفي عهد التقارب التركي الألماني، قام السلطان عبد العزيز بإهداء الجزء الشرقي من أرض وقف البيمارستان لولي عهد بروسيا فريدريك ويلهيلم الرابع (أصبح لاحقاَ القيصر فريدريك الثالث لفترة حكم قصيرة) عند زيارته للقدس وذلك بغرض بناء كنيسة في الموقع (إعادة بناء كنيسة القديسة ماري والتي أصبحت تسمى حالياً بكنيسة الفادي اللوثرية) . وقد بيع الجزء الغربي من أرض البيمارستان لبطريركية الروم الأورثوذوكس حيث تم إنشاء بازار (سوق) أفتيموس المعروف حالياٌ في القدس. وقد شق لاحقاً طريق يفصل الشطرين عند زيارة قيصر بروسيا اللاحق ويلهيلم الثاني وسمي على اسم قيصرها

وفي الوقت الحالي يسمى الطريق الفاصل بين الشطرين بطريق البيمارستان ألصلاحي أو طريق المارستان ألصلاحي وفي بداية الطريق عند تقاطعه مع طريق داوود لا يزال يوجد قوس وضع عليه شعار بروسيا على شكل صقر بقي منذ الزمن الذي كان فيه الطريق مسمياً على اسم قيصرها

وفي منتصف ونهاية هذا الطريق ناحية بازار الدباغة يمكن الدخول لسوق أفتيموس الذي بني في النصف الغربي من أرض البيمارستان، حيث نجد أنه قد أقيمت في النصف الثاني من أرض البيمارستان و تقريباً في مركز سوق أفتيموس بحرة (نافورة) محاطة بسور دائري حديدي في ذكرى مرور 25 عاماً على اعتلاء السلطان العثماني عبد الحميد الثاني للعرش و تعرف حالياً بنافورة البيمارستان بسبب موقعها في أرض البيمارستان القديم

وقد أصبحت أرض البيمارستان مقصداً لعلماء الآثار الأجانب لسنين عديدة قبل وبعد بناء كنيسة الفادي والذين قاموا بأعمال تنقيب كثيرة بحثاً عن أثار لعهود أوكنائس قديمة وخاصة الاَثارالتي تعود لعهد المسيح (عليه السلام). ونجد في مصادر علماء الآثار الأجانب ومجلاتهم ودورياتهم وكتبهم وصفاً تفصيلياً لأعمال كثير من فرق المنقبين واكتشافاتهم . في نهاية القرن التاسع عشر كان هناك جدل في الأوساط المسيحية حول إثبات كون كنيسة القيامة الحالية هي حسب تصورهم لقصة المسيح (عليه السلام) تمثل مكان صلبه. ووجدوا بعد منح أرض البيمارستان لقيصر بروسيا ونظراَ لقربها من كنيسة القيامة الفرصة الملائمة للبحث عن بقايا السور البيزنطي القديم للمدينة حيث أن المعتقد لدى المسيحيين هو أن المسيح (عليه السلام) قد صلب في حديقة خارج سور المدينة

بعد أعمال تنقيب طويلة وأثناء الحفر لبناء أساس للكنيسة عثر على سور على عمق 11 متراً واعتقدوا خطأ (حسب تحليلهم ووصفهم لاحقاً) بأن هذا هو السور البيزنطي وبالتالي المكان الذي بنى فيه قسطانطين كنيسة القيامة الأصلية المقامة على موقع الصلب. ومن هنا اكتسب موقع كنيسة الفادي قيمة جديدة وأصبح ليس فقط موقع كنيسة قديمة أو كنيسة الصليبيين وفرسان المشفى (الهوسبيتاليين) بل أصبح مرتبطاً بالسيد المسيح (عليه السلام) وحادثة الصلب حسب التصور و القصة المسيحية لها ولهذا سميت الكنيسة بكنيسة الفادي نسبة للمسيح (عليه السلام)

لكن أعمال التنقيب التي نفذت عند ترميم الكنيسة وتوابعها مابين العامين (1970 و 1974 ميلادية) شككت ونقضت الاكتشاف السابق إذ اكتشفت على عمق مترين بقايا أرضية كنيسة القديسة ماري للآتين Mary la Latine) (St.وفي دراسة جديدة للموقع أشير إلى أن السور المكتشف سابقاً هو مجرد سور ل ؟ QUARY أو سور دعامي بني على عدة مراحل في عهد ما قبل السيد المسيح وليس السور البيزنطي للمدينة وهذا ما يعتقد حالياً. وإلى يومنا هذا تم الحفاظ على أجزاء من مناطق التنقيب والحفريات داخل سور كنيسة الفادي ولم يتم تفسير كل المكتشفات فيها ولكنها لا تزال غير مفتوحة للعامة)

إذ كان كاثوليك الدولة العثمانية قد وضعوا تحت حماية فرنسا والنمسا، في حين وضع الأرثوذكس تحت حماية روسيا وقامت إنجلترا بحماية البروتستانت

تطور حي النصارى مع زيادة النفوذ الغربي الأوروبي فتباينت مدارس الإرساليات والمشافي والمعاهد العلمية، فازدهر حي النصارى مقارنة بالأحياء الأخرى التي عانت من فقدان هذه الخدمات، كما نشط حارة النصارى اقتصاديًا خاصًة مع ازدهار أحوال سكانه الذين عملوا بالتجارة ومع هجرة مسيحيين القدس أرسل أثرياء المهجر أموال لدعم أهالي الحي. في عام 1898 وافقت الدولة العثمانية على طلب من الدول الأوروبية وفتحت بوابة جديدة في أسوار البلدة القديمة، في منطقة جديدة للتنمية. كانت تسمى بوابة “باب جديد

ويذكر أن مما يقال أن بازار  بيع الخضار هو من بقايا هذا النزل الصليبي القديم علماً بأن بوائك هذا البازار مغلقة حالياً بأبواب حديدية البازار أحد أسواق الواقعة داخل أسوار البلدة القديمة لمدينة القدس. كان السوق من جملة أوقاف المدرسة الأفضلية و المدرسة الكريمية، ثم أصبحت مرافقه من جملة أوقاف عائلة الحسيني وجار الله، وهو الآن يختص ببيع السلع السياحية،

كان سوق البازار يمتد من سوقية علّون قرب باب الخليل حتى ملتقى مفرق الطرق بين سوق الحصر وسوق اللحامين، لكن لاحقا تقلص المفهوم ليشمل المنطقة الواقعة بين طريق البيمارستان (المارستان) وسوق اللحامين، وتركز هذا السوق في ما بقى من عمارة البيمارستان، أي المستشفى ألصلاحي نسبة إلى صلاح الدين الأيوبي الذي أوقف عليه الأطباء وجعله مركزا لمعالجة مرضى القدس. ثم بعد أن خرب وتعطل حاله، استخدم مركزا متخصصا لبيع الخضار والفاكهة خاصة في العقود الثلاثة الأولى من النصف الثاني من القرن العشرين.

ويتكون البازار أي ما بقى من البيمارستان، من مجموعة الأروقة تمتد من الشمال للجنوب، تسندها مجموعة عقود، يقوم بينها بلاطات (فراغات) تغطيها أقبية متقاطعة ويتوسطها بعض الفتحات للتهوية والإضاءة وعلى الزائر أن يتذكر العهود العامرة التي مرت على هذا الموقع حينما كان يعالج فيه جماعة من الأطباء المهرة مرضى القدس على اختلاف أجناسهم، وقد تُرجم لهم وذكروا في كتب الأطباء..

ويصف الدكتور أحمد الصاوي بصورة مقتضبة الهيئة العامة لتخطيط البيمارستان فيوضح أنه:”يبدو من بقايا البيمارستان أنه كان مكوناً من فناء أوسط مكشوف تحيط به بائكة من دعامات وعقود حجرية وتتقدم هذه البائكة قاعات مختلفة المساحات ومتنوعة الأسقف فبعضها مغطى بأقبية طولية والبعض الآخر كان مغطى بأقبية متقاطعة. وكانت كل قاعة مخصصة لتخصص طبي بعينه مثل الكحالة (أمراض العيون) والطبائعية (أمراض المعدة)

وفي كتاب “القدس في زمن الصليبيين” يذكر المؤلف أدريان بوس أسماء عدد من الباحثين الذين وصفوا آثار البيمارستان وقت أعمال التنقيب والحفريات في نهاية القرن الثامن عشر وبداية القرن التاسع عشر ويذكر بعض المراجع التي نشروها ويقتبس منها. ومما أشار إليه الكاتب أدريان بوس أن قيمة هذه المؤلفات ترجع أولاً إلى أن الكثير من بقايا البيمارستان التي وصفوها لم تعد موجودة وقد أزيلت لإتاحة المجال للمباني الجديدة وترجع ثانياً لدقتها واشتمالها على خرائط ورسومات ذات جودة عالية وبعض الصور التي تمثل بداية فن التصوير.

و في عام (1898 ميلادي) حضر القيصر ويلهيلم الثاني (آخرقيصرلألمانيا والذي تنازل لاحقاً عن العرش بعد هزيمة الحرب العالمية الأولى) وزوجته أوجستا فيكتوريا شخصياً كضيفي شرف على الإمبراطورية العثمانية في عهد السلطان العثماني عبد الحميد الثاني للاحتفال بافتتاح كنيسة الفادي. ولابد من الإشارة هنا إلى أن بعض المحللين و المؤرخين الغربيين يذكرون أن القيصر ويلهيلم الثاني كان يرى نفسه صليبياً يحارب سلمياً من أجل المذهب البروتستانتي ومن أجل استعادة السيطرة على الأماكن المقدسة في القدس سلمياً وكان يؤمن بفكرة “الصليبي المسالم” الشاعرية التي ظهرت في ألمانيا منذ عام (1840 ميلادية). وقد سمى القيصر نفسه ب”الصليبي المسالم” في حفل افتتاح الكنيسة و احتفالية ذكرى الإصلاح الديني البروتستانتي Reformation day (تخليداً لذكرى الإصلاح الديني الذي نادي إليه مارتن لوثر). وقد جعل حفل افتتاح الكنيسة في نفس اليوم في عام

1898 ميلادي

وعلى الرغم من ضياع الكثير من المخطوطات والمراجع إلا أنَّ ما توفَّر منها يُشير إلى أنَّ أول بيمارستان عرفته القدس كان بيمارستان الوليد بن عبد الملك عام (88هـ=707م)، وقد اشتهر فيما بعد البيمارستان ألعبيدي الفاطمي الذي أُنشئ فيما يبدو حوالي سنة (400هـ=1009م)، ثم بيمارستان القدس ألصلاحي سنة (583هـ=1187م) نسبةً إلى صلاح الدين الأيوبي، الذي كان من أكبر وأشهر البيمارستان في زمانه، وقد أسَّس صلاح الدين كذلك بيمارستان عكَّا

وجاء في كتاب أحمد عيسى “تاريخ البيمارستان في الإسلام”: أنَّ السلطان صلاح الدين -عندما فتح القدس- أمر بأن تُجعل الكنيسة المجاورة لدار الاسبتار بيمارستان للمرضى، ووقف عليها مواضع، وزوَّدها بالأدوية والعقاقير الغزيرة، وفوَّض القضاء والنظر في هذه الوقوف إلى القاضي بهاء الدين يوسف بن رافع أبي تميم (اشتهر بابن شداد، وشدَّاد هو جده لأمِّه وقد عُرف بعلمه وكفاءته). وقال النويري: “قد عزم السلطان صلاح الدين على الحج ثم عاد إلى القدس ورتَّب أحواله، وعيَّن الكنيسة التي في شارع قمامة البيمارستان، ونقل إليه العقاقير والأدوية”

وأشار ابن القفطي إلى بيمارستان القدس بقوله: “إنَّ يعقوب ابن صقلان النصراني أقام على حالته بالقدس في مباشرة البيمارستان إلى أن ملكه المعظم عيسى ابن الملك العادل أبي بكر أبن أيوب سنة 615هـ”

وقد خصَّص صلاح الدين الأوقاف والأموال لدعم البيمارستان، واستحدث وظيفة ناظر البيمارستان تحت صلاحية القاضي، وعيَّن لذلك القاضي بهاء الدين ابن شداد؛ لمتابعة الشئون المالية الخاصَّة بهذه الأوقاف، وأمر صلاح الدين أن تُصرف الأدوية والعقاقير بهذا البيمارستان للمرضى بالمجان؛ جاء في كتاب “سيرة صلاح الدين” لابن شداد ما يلي: “وأمرني السلطان بالمقام في القدس الشريف لعمارة بيمارستان أنشأه فيه، وإدارة المدرسة التي أنشأها فيه إلى حين عوده، وسار من القدس الشريف ضحوة نهار الخميس في (سادس شوال 588هـ=15 أكتوبر 1192م

وقد استمرَّ الاهتمام بالبيمارستان من قِبَل الحكَّام الأيوبيين، الذين استلموا الحكم بعد صلاح الدين؛ فقد عُرف اهتمام الأيوبيين بصفةٍ عامَّةٍ وصلاح الدين بصفةٍ خاصَّة ببناء البيمارستان والمدارس، وتكريم العلماء والأطباء، كما تظهر آثار الأيوبيين والمخطوطات القديمة

ذاع صيت هذا البيمارستان في عهد صلاح الدين وفي العهود التي تلته؛ إذ كان يُداوي الجرحى والمرضى من الجنود والآهلين، ويُوزِّع الأدوية والعقاقير على الناس بلا مقابل، ومن أشهر الأطباء الذين عملوا في المارستان ألصلاحي بالقدس

يعقوب بن صقلان: (أو سقلان أو سقلاب) النصراني المقدسي المشرقي الملكي، مولده بالقدس الشريف، قرأ الحكمة والطب، وأقام بالقدس في مباشرة البيمارستان إلى أن ملكه الملك المعظم عيسى ابن الملك العادل فنقله إلى دمشق، فاختصَّ به وارتفعت عنده حاله، وأدركه نقرس ووجع مفاصل فأقعده عن الحركة، حتى قيل: إنَّ الملك المعظَّم إذا احتاج إليه في أمر مرضه استدعاه في محفَّةٍ تُحمل بين الرجال، وبقي في دمشق إلى أن تُوفِّي فيها في حدود سنة 626هـ

رشيد الدين الصوري: هو أبو المنصور بن أبي الفضل بن علي الصوري، كان أوحد زمانه في معرفة الأدوية المفردة وماهيتها، واختلاف أسمائها وصفاتها، وتحقيق خواصها، ذكره ابن أبي أصيبعة في كتابه “عيون الأنباء في طبقات الأطباء” وعدَّد مناقبه

وُلِدَ الصوري في مدينة صور في سنة 573هـ، ونشأ فيها ثم انتقل عنها، وقد اشتغل بصناعة الطب على يد الشيخين؛ موفَّق الدين بن عبد العزيز، وموفق الدين بن عبد اللطيف بن يوسف البغدادي. وتميَّز في الطب، وقد عَمِلَ في بيمارستان القدس لسنتين، وصحب الشيخ الورع أبا العباس الجيلاني الذي كان ملمًّا بالأدوية المفردة ومتقنًا لعلومٍ أخرى، وتعلَّم منه رشيد الدين الصوري خصائص الأدوية المفردة، وانتفع منه كثيرًا وتفوَّق على كثيرٍ من أربابه، وعندما كان الملك العادل أبو بكر بن أيوب متوجِّهًا إلى الديار المصرية اصطحبه معه من القدس وبقي في خدمته هناك، وخدم بعده الملك المعظَّم عيسى بن أبي بكر، والملك الناصر داود بن الملك المعظَّم الذي فوَّض إليه رياسة الطب، وعندما توجَّه الملك الناصر إلى الكرك أقام رشيد الدين الصوري في دمشق، وكان له فيها مجلسٌ للطب، والجماعة يتردَّدون إليه ويشتغلون بالصناعة عليه، وبقي في دمشق إلى أن تُوفِّي يوم الأحد أول شهر رجب سنة 639هـ=1242م

ومن الأطباء الذين عرفتهم القدس في فترة حكم الأيوبيين، تسعة أطباء من عائلة الطبيب المعروف “أبو سليمان داود بن أبي المنى بن أبي فانه المقدسي النصراني”، الذي كان له خمسة آباء، احترف أربعة منهم صناعة الطب

ومن أطباء القدس -أيضًا- الطبيب البغدادي “أبو محمد بن يوسف البغدادي”: الذي عاش في القدس فترة من الزمن (1162–1232هـ)، وكانت له حلقة تدريسٍ في المسجد الأقصى استمرَّت زهاء عشر سنين، وكانت له الكثير من المؤلَّفات الطبيَّة

ومنهم كذلك الطبيب “فتح الدين أبو العباس أحمد بن عثمان بن هبة الله المقدسي”: الذي وُلِد وترعرع قي القدس في عهد السلطان الملك الصالح نجم الدين أيوب، ثم قصد دمشق وانتقل منها إلى مصر وقد أصبح رئيسًا للأطباء في عصره، وله كتابٌ في أمراض العيون وعلاجها “نتيجة الفكر في علاج أمراض البصر”

ومن أطباء العهد الأيوبي في القدس كذلك “الطبيب المار ديني”: وقد وُلد في ماردين ولكن أصله من القدس، واسمه فخر الدين محمد بن عبد السلام بن عبد الرحمن المقدسي الأنصاري، وهو طبيب غازي بن صلاح الدين

ومن الأطباء المقدسيين في العهد الأيوبي -أيضًا- الطبيب “رشيد الدين أبو سعيد بن موفق الدين يعقوب”: وهو من نصارى القدس، وله كتاب “عيون الطب

يُشير بعض المؤرِّخين إلى أنَّ هذا البيمارستان لم يُعمَّر طويلًا، وأنَّه اندثر نهائيًّا في الزلزال الذي حدث عام (863هـ=1458م)، لكن عارف العارف استنادًا إلى سجلات المحكمة الشرعية بالقدس يجزم أنَّه استمرَّ حتى القرن (الثاني عشر الميلادي=الثامن عشر الميلادي)؛ فقد ذكر عارف العارف في كتابه “المفصل في تاريخ القدس” أنَّ الأستاذ رئيف الساعاتي قال: “إنَّ هذا البيمارستان انْهارَ كغيره من المباني مع الأيام، وإنَّ الزلزال الذي حدث عام (1458م=863هـ) أتى على البقية الباقية من أنقاضه، ولعلَّه يقصد البناء الأصلي الذي شيَّده صلاح الدين؛ إذ إنَّ السجلات التي عثرنا عليها في المحكمة الشرعية بالقدس تدلُّ على أنَّه كانت هناك في أواسط القرن الثامن عشر مؤسَّسةٌ تُعرف بـ “المارستان ألصلاحي”، حتى إنَّ القاضي عيَّنَ “زينَ بن إمام قلعة البرك” في وظيفة خدمة المرضى والمجانين بالمارستان ألصلاحي؛ عوضًا عن حجازي بن العجمية لوفاته، وقد أمره بتقوى الله في عمله، وبالاستنابة عند الحاجة، وفي سنة (1167هـ=1753م) كان متولِّي وقف البيمارستان ألصلاحي محمد بن نجم الدين أفندي العلمي”

وذكر أحمد عيسى في كتابه “تاريخ البيمارستان في الإسلام” أنَّ الأستاذ العالم عادل جبر بك مدير المتحف الإسلامي ودار الكتب بالقدس الشريف، كتب إليه عن هذا بيمارستان القدس، فقال: “إنَّ بالقدس حارةً تُسمَّى الدباغة، والمشهور المتداول على ألسنة الناس أنَّ البيمارستان ألصلاحي كان في هذه الجهة، ثم أدركه الخراب كما أدرك غيره من الآثار، ثم حدثت زلزلة في سنة (863هـ=1458م) فجعلته أثرًا بعد عين، فعفيت آثاره واختلست أرضه، وتصرَّف فيه الحكام وغيرهم من الناس بالبيع والهبة، فوهب السلطان عبد الحميد قسمًا من خراباته إلى الدولة الألمانية لمناسبة زيارة ولي عهدها للقدس الشريف سنة 1896م، فبني فيه الألمان كنيسةً افتتحها الإمبراطور غليوم الثاني سنة 1898م، وقال: إنَّهم عثروا في خراباته على حجارة مكتوبة ناطقة باسم صلاح الدين وخلفائه من بعده”

يُعدُّ البيمارستان الناصري ألصلاحي أو بيمارستان صلاح الدين الأيوبي أشهر مستشفيات القاهرة، فما تاريخ إنشائه، وموقعه، وأطبائه، وتجهيزاته الطبية؟

المصادر والمراجع:

– ابن شداد: النوادر السلطانية والمحاسن اليوسفية (سيرة صلاح الدين الأيوبي)، تحقيق: الدكتور جمال الدين الشيال، الناشر: مكتبة الخانجي، القاهرة، الطبعة: الثانية، 1415هـ=1994م

– مجير الدين العليمي الحنبلي: الأنس الجليل بتاريخ القدس والخليل، النجف، 1968م

– عارف العارف، المفصل في تاريخ القدس، القدس: مكتبة الأندلس – القدس، 1961م

– أحمد عيسى: تاريخ البيمارستان في الإسلام، الناشر: دار الرائد العربي، بيروت – لبنان، الطبعة: الثانية، 1401هـ=1981م- رائف يوسف نجم وآخرون، كنوز القدس، عمان: مؤسسة آل البيت، ط1، 1983م

البيمارستان الناصري ألصلاحي

السنة الثانية، الجزء الثاني عشر، 15 مارس/ آذار 1945، ص 437.

         عنوان كتاب ألفه: د. أحمد عيسى بك، ص 23

         انظر: العيني، عقد الجمان

         انظر: حوادث سنة 588 هـ في كتابه “نهاية الأرب في فنون الأدب”

         عارف العارف، المفصل في تاريخ القدس، القدس: مكتبة الأندلس، 1961، ج1، ص 178

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق