حارات مقدسية

حارة البقعة

الباحث مازن أهرام (القدس)

بقعة القدس،  جِنان وحجارة تبكي أصحابه.

بالقرب من محطة سكة حديد القدس-يافا العثمانية، تتناثر منازل حي البقعة، التي تظهر هويتها العربية بأسطع الصور، رغم عمليات التهويد المستمرة للحي، منذ عقود ، فهذه المباني تشهد عن ماساة عاشتها وتعيشها بعيدا عن أصحابها الذي رحلوا على امل العودة ولكن العودة بقيت امل مستحيلا في الوقت  الحالي .

 هذا اليوم سوف نتحدث عن هذه البقعة الجميلة من بقاع القدس الهادئة الواعدة ، ومن اهم احياءه حي القطمون.

أُنشئ حيّ القطمون على أراضٍ تابعة للكنيسة الأرثوذوكسيّة، الّتي أعلنت في تلك الفترة عن بيع هذه الأراضي في محاولة لسدّ ديونها. وكانت العائلات الّتي اشترت هذه الأراضي هي عائلات فلسطينية عربية مسلمة ومسيحية من الطبقة المتوسّطة فما فوق. بالإضافة إلى ذلك، سكن بعض السكان الأجانب هذه الأحياء، وقد كان معظمهم مستأجرين وليسوا ملّاكين

تُعزى تسمية القطمون إلى تفسيرين يتعلّقان بتاريخ المكان

الأوّل – تفسير يونانيّ وسببه أنّ الكنيسة الأرثوذوكوسيّة امتلكت الأراضي التابعة للحيّ.

  كاتا مونَسيتريو» في اليونانيّة تعني «تحت دير»، وهذا يلائم جغرافيا المكان حيث أنّ التلّة العليا في الحيّ فيها دير «سان سيمون» أو دير «مار سمعان». ممّا يجعل الحيّ «تحت الدير.

الثاني – تفسير عربيّ حيث أنّ الحيّ كان عربيًا منذ بدايات نشأته. كلمة «قطمون» من قَطَمَ والّتي تعني قطع، ويُقال أنّ المكان احتوى على كسّارة الّتي «تقطم» الحجارة ومن هنا جاءت التسمية.علماً أن التفسير الثاني ضعيف

الموقع:

حي القطمون غربي مدينة القدس إلى الجنوب قليلاً. ، جنوب بلدة القدس القديمة بمحاذاة طريق بيت لحم، ويمتاز ببساتينه وكرومه ويقوم على رابية مشرفة على معظم الأحياء العربية من القدس الجديدة، وهي: البقعا الفوقا، والبقعة التحتا،وقد غلبت عليها أسماء عبرية تلمودية نتيجة الإحتلال  فأصبحت تُعرف برحافيا، وميكور حاييم، وتل بيوت

و تبلغ مساحة حي القطمون الأصلية نحو 157 دونما  وأمام دير مار سمعان غرب الحي جرت معركة القطمون. كما ضم الحي نحو 204 بيت عربي في القطمون امتدّ الحي على مساحة 157 دونم

أرض الورود

يخبرنا الرحالة اوليا جلبي عام 1670م، بان الأراضي بين باب الخليل، والبقعة، كانت خالية من المنازل، ومليئة بالكروم والبساتين، وما من أحد من سكان القدس، إلا ويعيش في كرم من هذه الكروم شهرين، أو ثلاثة شهور في السنةُ.

 عرفت البقعة أيضا باسم وادي الورود، لوفرة الورود في الحدائق التي كان يصنع منها ماء الورد الخاص بالكنائس، وكذلك لسد حاجة السكان ، ويشتهر القطمون بطرازه المعماري المميز ومبانيه التي تدل على عروبة المكان فقد شيدتها عائلات فلسطينية عديدة منذ نهاية القرن التاسع عشر.

في الحي بيوت عربية واضحة المعالم فمثلا بيت خليل السكاكيني المؤلف من طبقتي حجر ما زال موجودا، الطابق العلوي يستعمل كحضانة أطفال، الطابق الأول تسكنه عائلة إسرائيلية

كان آخر من خرج من الحيّ هو خليل السكاكيني الّذي كتب في مذكراته تاريخ خروجه من الحيّ وهو الـ30 من نيسان عام 1948 أمّا اليوم هذه المباني تسكنها عائلات إسرائيلية بعد سقوط الحي واحتلاله في أواخر شهر أبريل/نيسان 1948م ولنتعرف على  الأستاذ خليل السكاكيني:

(ولد في 23 يناير 1878 – وتوفي في 13 أغسطس 1953) في القدس وتلقى تعليمه في المدرسة الأرثوذكسية في القدس ,أديب ومربٍ فلسطيني مقدسي مسيحي.

 اهتمّ باللغة والثقافة العربية. يُعتبر من رواد التربية الحديثة في الوطن العربي الأمر الذي كان له أثر كبير في تعليم عدة أجيال. وكان عضواً في المجمع اللغوي بالقاهرة  نشر له إثنا عشر مؤلفًا في حياته. عاش في فترات متلاحقة في كل من فلسطين والمملكة المتحدة والولايات المتحدة الأمريكية وسوريا ومصر.  اعتقل في القدس أثناء الحرب العالمية الأولى وسُجن في دمشق، ولكنه تمكن من الخلاص من سجنه والتحق بقوات الثورة العربية. وفي طريقه للانضمام إليهم كتب نشيد الثورة العربية

لنعرج على قصر الشيخ محمد الخليلي

قصر لمفتي الشافعية بالقدس الشيخ محمد الخليلي، في البقعة، شيّد في أواخر القرن السابع عشر، وهو بمثابة بيت صيفي .

كان الشيخ محمد الخليلي من الأعلام الفقهاء في القدس، ومن أهم شخصيات فلسطين في ذلك الوقت. ونظراً لمكانته الخاصة، فقد دفن في المدرسة الأشرفية الواقعة على الجدار الغربي للحرم الشريف، وهذا شرف لم يحظ به إلا عدد قليل لا يتجاوز العشرة من الشخصيات الإسلامية الهامة عبر التاريخ. وحُفظت عباءة الشيخ الخليلي التي اشتهر بلبسها مدة تزيد على القرنين في الحجرة التي دفن فيها إلى أن تم نقلها إلى المتحف الإسلامي

وبيت آخرللسادة آل الكرمي:

بالإضافة لذلك بيت عبد الكريم الكرمي وحسن الكرمي ما زالا شامخان البيت الذي ترعرعت به الكاتبة الفلسطينية غادة الكرمي قبل عام النكبة.

وعلى بُعد خطوات آل الدجاني:

بيوت عائلة الدجاني، كل هذه البيوت تستطيع ان تميزها كبيوت عربية بسهولة

ثم يأخذنا المسير إلى آل النمري:

حسب الباحث طاهر النمري: “ظهر اسم البقعة في الخرائط ووثائق التسجيل العائدة لغوردون باشا الذي أشرف سنة 1864م، على توثيق أسماء الاماكن التاريخية في فلسطين. قبل ذلك، كان اسم البقعة يستعمل للإشارة إلى هذه المساحة نفسها من الأرض في سجلات الوقف الاسلامي يذكر طاهر النمري:

 “دافع السكان والمقاتلون عن أحيائهم حتى الهدنة الأولى. وهاجم الإسرائيليون خلال الهدنة اولئك الذين بقوا في الأحياء واخذوا بعض الأهالي سجناء، ولم يطلقوهم حتى الهدنة الثانية (رودس) في سنة 1949م، عندما سلموا إلى القوات الاردنية عبر بوابة مندلبوم. وتمكنت عائلتا شكري أمين النمري ويوسف رشيد النمري من البقاء في حي النمامرة بالالتجاء إلى الكنيسة الالمانية. وبعد الحرب حاولتا العودة إلى منزليهما، لكن السلطات العسكرية الإسرائيلية منعتهما بإعلان المنزلين أملاك غائبين .

وقد انفرد الكاتب المقدســي الأرمني جون روز، الذي اســتطاع البقاء في البقعة بعد الاحتلال، بالكتابة عن مصــــــير هذه الأحياء ومصــــــير القلة القليلة. من العائلات غير اليهوديـة التي لم يجر طردهـا (معظمهـا من الحراس والعـاملين في أديرة المنطقـة). فهو يقول:

“في أواخر سـنة ١٩٤٨ تم نهب جميع البيوت العربية التي أُجلي سـكانهاولم يبق فيها أثاث أو شيء يذكر.  أمّا نحن الباقين فقد شارفت أعصابنا على الانهياروأصبحت أمضـت روز أربع سـنين حياتنا شـبيهة بمعسـكرات الإبادة على حفة ميدان المعركة.”

حي النمامرة

عائلات النمري والوعري وفرعون كانوا الرواد، في القدوم للسكن في الحي، ورغم تحسن الأمن، بوجود الكولونيالية الالمانية ثم اليونانية، وحركة القطارات إلا ان العيش في المكان كانت يتطلب جرأة، مع الحديث عن الحيوانات المفترسة، وقطاع الطرق حسب الباحث طاهر النمري، في بحث له عن حي النمامرة:

 “تلازم حي النمامرة في البقعة مع وصول أول المهاجرين الالمان البروتستانت سنة 1873م، الذين حصلوا على ارض من الحكومة العثمانية   يضيف النمري: “تركت عائلتان البلدة القديمة لتسكنا خارج الأسوار. توجهت العائلة الاولى، النمري، إلى البقعة التحتا، بينما انتقلت العائلة الأخرى، الوعري، إلى البقعة الفوقا. واشترى عبد الله ابراهيم محسن النمري الأرض من أهالي المالحة وبيت جالا وبيت لحم. وسجلت الأرض في المحكمة الاسلامية باسم عبد الله النمري كوقف للعائلة”

ولكن لاحقا: “انتهكت سلطات الانتداب البريطاني قانون الوقف الاسلامي، الذي ينص على عدم امكانية بيع أملاك الوقف أو رهنها أو تاجيرها لفترات طويلة، وقامت بمصادرة 51 دونما من أرض وقف عائلة النمري لبناء ناد رياضي للبريطانيين. وتدخلت اللجنة الاسلامية العليا، وانتهت القضية بدفع تعويض مالي عن الأرض. واستعمل هذا المال لبناء سوق النمامرة التي وفرت للوقف دخلا اعيد استثماره في مبان جديدة

من أوائل العائلات التي سكنت  في البقعة عائلة الوعري:

حصلت عائلة الوعري من المتصرف العثماني، على قطعة من اراضي الدولة في البقعة. وسموا بالوعري، لتركهم القدس المسورة، وسكنوا الارض الجديدة الوعرة

حي الوعرية، يقع بين الطريق إلى بيت لحم وسكة الحديد، وحسب شمعون لندمان: “كانت عائلة عاشور الوعري أول عائلة تسكن منطقة البقعة، فقد اقام رب العائلة محمد الوعري، بيتا كبيرا لعائلته كثيرة الابناء، ولما كانت المنطقة خالية من الناس ومن البيوت، فقد اقام سورا عاليا حول بيته لحمايته من قطاع الطرق والحيوانات المفترسة”

ويضيف: “سكن  عائلة الوعري كان أشبه ببناء قروي زراعي، لانهم زرعوا الأرض الواسعة التي كانت تحت تصرفهم بالحنطة والشعير، بالإضافة إلى الاغراس وكروم الزيتون والعنب، وكان أبو عاشور رب عائلة محترمة، فرض طاعته على جميع افراد العائلة الكبيرة، وعين مختارا لجميع منطقة البقعة والقطمون” وانشأت عائلة الوعري، مطاحن للحبوب، ومعاصر للزيتون، وأماكن لتخزين الزيت، وكل ما يلزم الحياة الريفية.

لم يكن غالب راتب الوعري (أبو ماهر) قد تجاوز الثالثة عشرة من عمره حينما هجّرت العصابات الصهيونية عائلته إبان نكبة فلسطين من منازلها في مدينة القدس من ناحيتها الغربية. اليوم هو في الثانية والثمانين، وقد استقرت عائلته في البلدة القديمة ونشأ فيها وكبر بين أزقتها وحاراتها لينجب هناك من الأبناء والبنات من هم الآن كما أبيهم وكما من قبلهم جدهم راتب الوعري، يحلمون بالعودة إلى بيت العائلة في محلة الوعرية التحتا من حي البقعة، التي استولى عليها الصهاينة وبات من المحرّم عليهم دخولها أو حتى الوجود في محيطها كما يروي أحد أبناء العائلة.

من هذه المنازل مثلا منزل المهندس الكهربائي سبيرو سبيريدون في البقعة الفوقا الذي بُني عام 1941، صممه سبيرو بنفسه، ولاحقا بعد النكبة استخدمه المحتلون، مكتب اتصال بين حكومة الاحتلال والامم المتحدة.

نكبة الحي

تعرض حي البقعة، مثل الأحياء العربية غرب القدس، إلى نكبة عام 1948، لم تكن متوقعة. في 16 ايار من ذلك العام، احتلت العصابات الصهيونية حي البقعة، الذي لجأ معظم سكانه إلى القدس الشرقية، انتظارا للعودة من جديد بعد ان تصمت المدافع.

واتخذ العمران في الحي خطوة مهمة إلى الامام، مع خط سكة الحديد عام 1892م بين القدس ويافا، وحسب بعض المصادر، فان الشركة المسؤولة عن تنفيذ المشروع، كانت تدفع إلى مشايخ قرية المالحة وقرى بني حسن، مبالغ من المال بمثابة (خاوة) للحفاظ على الأمن في تلك المنطقة الموحشة.

مع بدء مشروع خط سكة الحديد، بُنيت قرب محطة (قدس شريف) مساكن بسيطة سكنها الموظفون في المحطة، وبعد سنوات قليلة تم هدم هذه المساكن، لتبنى مكانها منازل حملت الطابع الريفي في البداية، بعد انتقال أوّل العائلات المقدسية للسكن في حي البقعة، ولاحقا تدفقت العائلات المثقفة والثرية إلى الحي، وأصبحت المنازل في شكلها الخارجي وتوزيعها الداخلي مزيجا من الانماط الشرقية والغربية. فتميزت منازل الحي بمداخل جميلة وشرفات واسعة، وبغرف فسيحة واروقة، وفي فترة الانتداب افتتح في الحي، النادي الأرثوذكسي العربي، الذي ضم قاعة تتسع لمئة شخص، نظمت فيها نشاطات اجتماعية وثقافية، من بينها محاضرات للمفكر والتربوي خليل السكاكيني، وعرضت فيها المسرحيات.

ووجد في الحي، ملعب لكرة المضرب، ومستشفى، وأصبح إحدى المناطق المفضلة للبرجوازية الفلسطينية المتعلمة، ورجال الأعمال، ليس فقط من القدس، ولكن من الوافدين عليها، من أصحاب الوظائف الحكومية وغيرها. مثل عبد الرحمن بشناق من طولكرم المدرس في الكلية العربية. ومن العائلات التي سكنت الحي: السلطي، وفرح، وعودة، وقرع

لنتعرف على الاستاذة نهيل عويضة:

مواليد العام 1935، من القدس التي  تقع خارج سور البلدة القديمة- من البقعة التحتا، والدي مولود في العام1900  في شارع مأمن الله، وهو شارع تجاري يمر وسط البلدة الجديدة، ووالدتي من مواليد باب الساهرة عام 1912.

 (( أنا بنت القدس))

 فعلا هي بنت القدس ونموذج جاد وحقيقي وصادق للمناضلة المقدسية، الباحثة والخبيرة في الشأن الفلسطيني وقضايا المرأة في النضال تحديداً، شعارها «فلسطين عربية من الميّة للميّة»، انها الاستاذة نهيل عويضة، مواليد القدس 1935، سنوات عمرها تعج بالذكريات والأحداث، مقتطفات مما تحتفظ به ذاكرتها ووجدانها من ذكرياتها في القدس والمهجر، وشهادتها على ما حدث تحديداً في الخامس عشر من أيار 1948، يوم نكبة فلسطين.

في العام 1892 أنشيء خط سكة الحديد بين القدس ويافا، هذا الخط   قسم أكبر وادي في القدس اسمه حي البقعة الى قسمين فأصبح هناك البقعة الفوقا  والبقعة التحتا. وكان الالمان المستعمرين قد أنشؤوا مستعمرة ألمانية في البقعة اسمها « الكولونية الالمانية»، وعندما اصبح الوضع آمناً بنى العرب بيوتهم في البقعة التحتا فأصبحت البقعة التحتا كلها منازل عربية ، وأثناء الحرب العالمية الأولى» وانا أسميها الكونية» ، بيعت أرض كانت وقفاً للكنيسة الارثوذكسية وأنشيء نادي اليونان وبعد ذلك بنى عرب بعض البيوت حول النادي وبينهم بعض اليونان في اوائل القرن العشرين فاصبح هناك مايعرف بالحي اليوناني. كما في أواخر القرن التاسع عشر، تملّك آل نمّر)(النمّري) الارض مقابل الكولونية الالمانية وبنوا بيوتا لهم، أصبح هناك حارة عرفت بحارة النمامرة. كما بدأ آل الدّجاني، في أوائل القرن العشرين بالتوسع بالبناء من منطقة النبي داوود الى البقعة التحتا، وبنى أشقاء واولادهم واولاد العم بيوت متقاربة مع بساتين لكل منها فاصبح هناك حي آخر وهو حي الدجانيّة.

اذن اصبح عندنا في منطقتنا كولونية ألمان ويونان ونمامرة ودجانية، وكان هناك اراض لاهل المالحة الواقعة جنوب القدس فاشترى سيدي قطعة أرض منهم وأورثها لوالدي عادل وشقيقه صبحي.

تقع اراضي آل عويضة والتي بني عليها بيتين لابي عادل وعمي صبحي على الشارع الرئيسي بالبقعة التحتا وسكة الحديد، وبني على جزء في العام 1918 ثلاثة بيوت منفصلة يحيط بكل منها بستان كبير متراجع عن الشارع العام قليلاً، احتلتها العصابات الصهيونية في عام النكبة وحولتها الى مدرسة للصم والبكم، البيوت الثلاثة واراضيها والكراجات وغرف الطاهي والسائق حولوها الى مشاغل وثم اخلوها في العام 2012 بعد ان بنو مدرسة ثانية في القدس وبعدها أجرتها شركة التطوير(عاميدار) بمبالغ باهظة لثلاثة اخوان مقاولين يهود. واما الارض الغير مبنية وهي ثلاث مقاسم حولوها الى موقف سيارات بالأُجرة.

في البقعة التحتا تحديداً كان هناك مدرسة واحدة للاطفال، اما البقعة الفوقا فكانت جديدة وأحدث من التحتا وكان فيها تقريباً 4 مدارس ثانوية وملاعب رياضية. ومن احياء القدس الراقية ايضا الطالبية، وهو مجاور للبقعة التحتا وفيه المدرسة العمرية وهي لحد الصف السابع وكانت تقع بين سكة الحديد والطالبية، عندما تدخل البقعة تكون سكة الحديد الى يسارك والطالبية الى يمينك وفوق الطالبية تبدأ المنطقة التي فيها الفندق الملك داود وجمعية الشبان المسيحيين وثم مقبرة ماميلا (مأمن الله) والسوق التجاري

ما تزال أحياء “القطمون”، و”عين كارم”، و”الطالبية”، و”البقعة” في مدينة القدس تحافظ على أسمائها العربية، ولكن ليس على سكانها الفلسطينيين العرب الذين تم تهجيرهم منها في 1948، وبقيت مساكنهم التي يقطنها اليهود حاليا أو أقيم على أنقاضها بنايات كبيرة، تروي حكاية “النكبة

وهذه الأحياء هي جزء من 13 حيا عربيا، قال خليل التفكجي، مدير دائرة الخرائط في جمعية الدراسات العربية إن الفلسطينيين سكنوها حتى ما قبل النكبة في 1948، وباتت تعرف الآن باسم القدس الغربية ،ويضيف التفكجي، أن من أبرز الأحياء التي ما زالت موجودة في القدس الغربية، “الحي اليوناني، وحي الألمانية، والتكفورية، والوعرية، والبقعة الفوقا، والبقعة التحتا، والدجانية، والنمامرة.

واستنادا إلى “ذاكرات”، فإن حي الألمانية تأسس في 1873، وامتلكت فيه عائلتا “الدجاني” و”بركات” الفلسطينيتين العديد من البيوت، وفيه كان مقر اللجنة العربية، التي أقيمت في 1936، برئاسة المفتي الحاج أمين الحسيني

أما حي البقعة، فأقيم لعائلات مسلمة ثرية من البلدة القديمة في سبعينيات القرن التاسع عشر، وسكنته أيضا بعض العائلات المسيحية الثرية، وفي 1892 تم بناء محطة القطار فيه، وبلغ عدد سكانه في 1947 حوالي 5 آلاف نسمة

وحي الطالبية، أقيم في مطلع القرن العشرين من قبل فلسطينيين مسيحيين من الطبقات العليا وذوي الثقافة العالية، شمل مربين ومعلمين ورجال أعمال وأصحاب مهن حرة

ومن هذه الأحياء الأربعة برزت أعلام فلسطينية بارزة منها الأديب خليل السكاكيني، والمفكر إدوارد سعيد، ورجل الأعمال الشهير قنسطنطين سلامة

هارون الرشيد.. أقامت فيه غولدا مائير

وهناك سلسلة صور لمنزل  هارون الرشيد في حي الطالبية المكون من طابقين ومبني  من الحجر، وتتوسط واجهته الأقواس والقناطر، وتتقدمه حديقة كالبستان، بناه صاحبه حنا إبراهيم بشارات عام 1926 ، البيت الذي سمي على اسم الخليفة العباسي حظي باهتمام بالغ، وترك كبار الفنانين الأرمن بصماتهم في أعماله الفنية حتى ذاع صيته، وبعد تهجير سكانه استوطن في الطابق الأول للبيت قاضي محكمة العدل العليا تسيفي برنزون، فيما استخدم الطابق الثاني مكتبا وزاريا ولاحقا سكنته رئيسة الوزراء غولدا مائير

ويقول النص إنه حينما تنبهت غولدا للتسمية العربية “فيلا  هارون الرشيد” محفورة في لوحة رخامية فنية مثبتة على أحد جدرانه الداخلية، أمرت بإزالتها فقام رجال الشاباك بتحطيمها بالمطارق ساعة، قبل أن يقوم الأمين العام للأمم المتحدة داج همرشيلد بزيارتها

 ويروي أحد سكان الحي أن صاحب البيت وصل المكان عام 1955 بعدما صار لاجئا، فقال:” دخل الحديقة وتأمل البيت بشغف ولما خرج أحد اليهود المستوطنين فيه بادره بالسؤال: هذا بيتي متى ستعيدونه لي. المستوطن اليهودي جمد بمكانه وكأن الطير على رأسه قبالة حنا بشارات صاحب البيت العائد، حتى تجمهر نفر من المستوطنين في الحي ممن رمقوه بنظرات استغراب، ثم سألوه كيف دخلت البلاد فقال: جئت بجواز سفر أمريكي وراح يتمعن بيته مجددا”.

بيت قلبيان… الكنز المفقود

أما عائلة قلبيان الأرمنية الأصل فقد هجروا من منزلهم في حي الطالبية تاركين وراءهم كل شيء تحت القصف والنيران. وينقل كاتب النص عن أحد أفراد العائلة أنه غادر وأقرباؤه البيت فيما كان يعزف البيانو فتركه مفتوحا.

ويتابع: “تخيلت أن البيانو ظل يعزف ترانيم الوداع فيما كان أصحابه قد بلغوا القدس القديمة في طريق اللجوء”. وبنى رب العائلة، طبيب معروف، البيت عام 1925 وهو عبارة عن طابقين حجريين مغطى سقفه بالقرميد الأحمر، فيما تكتظ حديقته بأشجار الزينة .

وفي عام 1967 وجد صيدلي يعمل في القدس الشرقية أحد أفراد العائلة البيت قد استوطنته عائلتان يهوديتان، فقامت مستوطنة تدعى عليزة داوس باستقباله. وعن ذلك تقول: “كان في الخمسين من عمره لكنه منفعل كالطفل وتذكر كل مغز إبرة في البيت الذي لامس جدرانه وتحسسه برفق وشوق بالغين. وقبيل رحيله أعطيته علبة خشبية مليئة بصور العائلة ولما فتحها عاينها برقة والدموع تملأ وجهه وهو يتمتم هذا هو الكنز المفقود” ، وتروي داوس أن  د. فيكيان قلبيان، وهو طبيب معروف في السبعين من عمره زار البيت برفقة ابنتيه لاحقا، وقال إنه وصل للتو من فرجينيا في الولايات المتحدة حيث استقر

وتتابع: “كشقيقه الصيدلي الذي زار البيت قبل 32 سنة من قبله، بدأ الطبيب وكأن عاصفة عاطفية قد هبت في دواخله، فتجول داخل البيت من غرفة إلى أخرى وهو يعتذر لي عن الاقتحام، فجأة دعا ابنتيه وقال: هنا المخبأ الذي درجت وأخوتي على الاختباء فيه من أمي وأبي وهو يشير ببنانه نحو مخزن خشبي صغير في ركن المنزل تحت سلم الأدراج. ركع وأخذ يسترق النظر نحو داخل المخزن فيما بدت علامات الارتباك في وجهي كريمتيه.. وفجأة لف الحزن المكان وقمت بتضييفهم بمربى مشمش من صنع بيتي أعددته من ثمار شجرة في حديقة البيت. كان الطبيب يتذوق المشمش وهو يستذكر أنه شارك والده في زرع الشجرة كسائر الأشجار… وتركتهم وعدت وبيدي هدية مغلفة بالقماش ولما فتحها سالت الدموع على خديه.. بعدما شاهد ساعة البيت التي لم ينس رنينها. بخلاف العام 1948 حينما غادرت العائلة الحي نحو القدس القديمة عن طريق المصرارة بصفر اليدين حملت هذه المرة ساعة البيت على أمل أن تساهم في جعل أوقاتهم أكثر سعادة”.

طعم السفرجل في المالحة

“بيت برهوم ” في حي المالحة وقبالته صاحبته معزوزة ديب سرحان، التي زارته لتجده مسكونا من قبل عائلة يهودية بعدما تحولت هي للاجئة في مخيم عايدة. الحاجة معزوزة (70 عاما) قدمت من مخيم عايدة تعتلي الجبال وتنزل السفوح بحثا عن طفولتها الضائعة في المالحة التي تحولت لحي يهودي، وملعب كرة قدم وحديقة حيوانات

و إن عودة الحاجة معزوزة مرتدية الزي التراثي لمسقط رأسها قد حرك فيها قوى جسدية ونفسية كبيرة، حتى أشرق وجهها وازدادت رشاقة في خطواتها وهي تعرف كل بيت وساحة وزقاق في المالحة. وفي الصورة تشير الحاجة معزوزة برفقة نجلها لبيت آخر مخاتير المالحة عبد الفتاح درويش، ولمسجد عمر بن الخطاب

ويتابع مرافقها: “قبالة منزل عائلتها الذي يستولي عليه مستوطنون يهود أصيبت الحاجة معزوزة بالخرس.. تحوم حوله كالفراشة تتحسسه وكأنه تلامس حفيدها، وللمرة الأولى اليوم يلف الحزن معزوزة التي لا تأبه بالصعاب وهي في الواقع شعب بكامله. ولم يتردد موظفون بليدو الإحساس بتسمية الشارع المؤدي لبيت معزوزة  ب”الإكسودوس” ( الهجرة من أوروبا) وهذا يعبر كيف تدحرجت كارثة اليهود على رؤوس الفلسطينيين

ويضيف: “بعدما لم تتمكن من دخول منزل العائلة لإغلاقه تلك الساعة، توقفت عند بيت الجيران التابع لعائلة جادو. تقدمت بضع خطوات وهي تقول: أذكر هذه الشجرة جيدا وتسارع لقطف ثمرة سفرجل تمسح الغبار عنها وتودعها في جيبها قائلة: هذا طعم تلك الأيام.. آخذها هدية لزوجي.. ربما يستنشق رائحة المالحة. وتستذكر أن سيدة حافية فستانها الأسود ممزق بحضنها طفل جريح مرت بالمالحة وهي تصرخ صباح العاشر من نيسان/أبريل 1948 منبئة عن مجزرة دير ياسين… وفي مساء ذلك اليوم بدأ عدد كبير من نساء وأطفال المالحة ينزحون نحو بيت لحم”.

ذهب الدنيا لا يعوضني بيتي

تفاصيل البيوت على جُنبات خط السكة في منطقة (البقعة) تُبين للناظر حضارة معمارية من نوع خاص، غير موجودة بإبداع صنعها اليوم في المباني الحديثة. ترجع هذه البيوت إلى عائلات فلسطينية كانت تعيش بأمان قبل النكبة، قبل أن يهجروا منها عنوة، لكن هذه البيوت ما زالت تحتفظ بطابعها العربي الإسلامي، فهي مزينة بفن الزخرفة العثمانية العربية، كما أن جزءا منها مبني بالحجر الأحمر الذي كان يتم استيراده من مدينة رام الله، بالإضافة إلى الهندسة المميزة القديمة لهذه البيوت

اشتاق الى حي البقعة لمساجدنا الاسلامية

واتوق الى حي الشماعة للحارات الشعبية

اشتاق الى حي القطمون كنائسنا النصرانية

اشتاق الى قرية لفتا المالحة الى بئر المية

اشتاق قالونيا قسطلنا مع دير ياسين الثورية

اشتاق لكسلى مع صرعى والى يبنا الرملاوية

اشتاق ليافا كم اشتاق لحي العجمي المنشية

اشتاق لقبيبة اجدادي  دير اللطرون العدسية

يحملني الشوق من الاقصى للبرج لامي القروية

اشتاق اللد ومن فيها .. وابو كبير صبح عشية

يا عين اللوزة كم اشتاق الى الجلسات الصيفية

يا بيت عطاب اتوق اليك الى الحضرات الصوفية

اشتاق الماضي تحضرني ارض نعاني الكنعانية

اشتاق الولجة مذ زمن خبز الطابون الصاجية

اشتاق الى كل قرانا .. ومدائننا التأريخية

يصليني الحب امام الوطن بارضك يا عباسية

دمعي ينثال على خدي يترقرق شلال المية

تسعون خريفا قد ولى وانا محروم الجنسية

احيا في سجن جبري في زنزانات ارضية

لا شمس تزاور شباكي لا قمر يمر بحنية

مذ عام النكبة مأساتي لا عودة ارضي مسبية

وقضية شعبي فوق رفوف مجالس امن وهمية

——————————

د. لطفي الياسيني

المصدر: الموسوعة الفلسطينية

المراجع:

القدس-الحياة الجديدة-أسامة العيسة-

عارف العارف: النكبة، بيروت 1956

القدس-الحياة الجديدة-أسامة العيسة-

حسن البدري: الحرب في أرض السلام، القاهرة 1976 عبد الله التل: كارثة فلسطين، القاهرة 1959.

محمد فائز القصري: حرب فلسطين، دمشق 1962.

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق