حارات مقدسية

حكابة السقايين في القدس الشريف

الباحث مازن أهرام (القدس)

أثناء تصفحي لبعض الصور القديمة  رجعت بي الذاكرة  إلى الماضي لأبحث عن المهنة  التي أصبحت أثراً بعد عين لأروي لكم اعزائي  القراد حكايتها فوجدت هذه المهنة التي لا تعرف عنها الاجيال اي معلومة كانت ، رغم ان هذه المهنة كانت غاية في الاهمية وجزء لا يتجزء من حياة القدس واهلها ، واليكم الحكاية من اولها\:

في قديم الزمان  أُقيمت في القدس  القديمة  أسبلة الماء و على يسار   باب العامود من الداخل عين يرتاد عليها السقائين لملئ سِقائهم  وتوزيعها على الدور كُلٌ و حاجته من الماء  وعلى مدخل مسجد بدر الدين لؤلؤ  سبيل للعطاشى ، كذلك سبيل الشوربجى الذي يستقبل الوافدين على المسجد الأقصى المبارك وسبيل أخر باب سوق العطارين  وعين ماء في حارة السعدية  وقد إنتشرت العديد  من عيون الماء ،  وزاد عدد الابار  في المسجد الأقصى المبارك  التي كان أهل بيت المقدس ينهلون منها ويرتون  ويقضون حوائجهم.

السَّقَّاءُ (الجمع: سَقَّاؤُونَ) وظيفة قديمة عرفت قبل التطور الحضاري بإيصال المياه إلي البيوت والمباني، والسقاء أو السقا هو الشخص المسئول عن نقل المياه من الخزانات أو الأنهار إلى  المساجد والمدارس والمنازل والأسبلة (جمع سبيل) لشرب العامة وذلك لعدم وصول المياه إلى هذه الأماكن لخدمة الأهالي كان السقاؤون يحملون القرب المصنوعة من جلد الماعز على ظهورهم وهي مملوءة بالماء العذب

السقا وفق تعريف المؤرخين هو الشخص المسؤول عن نقل المياه من الخزانات ومنابع المياه إلى المساجد والمدارس والمنازل، وأسبلة الشرب العامة، وذلك لعدم وصول المياه إلى هذه الأماكن لخدمة الأهالي. وكان يتحمل الكثير من الصعاب من أجل توفير الماء للمحتاجين إليه، وكانت الأخلاق والأمانة هما رأس ماله. ففي الماضي كانت بيوت القدس تعتمد على السقا تماماً، إذ لم تكن قد ظهرت صهاريج المياه أو الصنابير التي لم نكن نجدها إلا في القصور الملكية، والمساجد الفخمة، وقصور السلاطين العثمانيون  فكان السقا هو مصدر المياه الوحيد في كل بيت، يجلب الماء من الآبار

رخصة السقا

كل مهنة قديمة كانت تحتاج الي رخصة لحاملها لكي يمتهن هذه المهنة

فكان لا يجوز له تولي تلك المسئولية إلا بعد الحصول علي رخصة مزاولة المهنة بتزكية من مختار الحارة أو الوالي  صاحب الأمر تلك الرخصة كانت تحتوي علي إسم الساقي وبياناته والشوارع والحارات المسموح له بالتجول فيها، فهو الوحيد الذي يُسمح له بدخول المنازل، والتجول في الحارات والأزقة،  وكان علي السقا وضع تلك الرخصة علي كتفه برباط من الجلد، ليتيح للجميع التعرف عليه وتفرقته عن أصحاب المهن الأخرى في نظام دقيق لكل اصحاب الحرف القديمة. بعد عمل الكشف الصحي عليه والتوقيع الطبي ومدي لياقته في هذه المهنة ولأن مهنة السقا مهنة صعبة,فكانت تمنح له رخصه ورقيه صادرة من مختار الحارة باسم السقا وطوله ولون عيونه وجنسيته ومكانه ليتنقل بين شوارع المدينة وأزقتها وكان على دراية بأصحاب الدور وكمية المياه  التي يحتاجونها  لبيوتهم

اللافت للنظر أن السقائين لم يكن يقتصر دورهم على حمل المياه وتوصيلها للمنازل، بل لعبوا دوراً كبيراً في إخماد الحرائق، إذ كانت تؤخذ عليهم التعهدات باستعدادهم للحضور كلما دعت الحاجة إليهم ليلاً أو نهاراً. فكان هؤلاء السقاة يهرعون إلى إخماد نيران الحرائق، فإذا شب حريق في مكان ما، أسرعوا بقربهم وبراميلهم، وأعانهم في ذلك كل من كان عنده وعاء يستحق الذكر,

ويقوم ” السقا ” بعملية رش الاسواق والازقة والشوارع الترابية بغية تبريدها فى فصل الصيف واخماد الاتربة بالجو كما يعمل على توزيع الماء للعطشي من المارة مجانا ..والى جانب حرفته التى تدر عليه ربحا وفيرا يقوم بتسليف المال الى المحتاجين من معارفه واقاربه وزبائنه فى حالات الزواج والختان والافراح والمرض ..كما كان يتدخل فى شئون محلته لحسم الخلافات والمشكلات التى تقع بين الاهالى فى غياب المختار وذلك من خلال صلته بالجميع ومعرفته بهم

في الماضي كان يمكنك رؤية السقا منحني الظهر يجول في بلاد الله تحت شمسه وسماءه ، بين المجاذيب وأصحاب الوظائف الخفية فيصطبغ وجهه بالسواد القمحي ، وتتخذ قدمه شكلاً مفلطحاً من فرط الوقوف والمشي ليلاً ونهاراً ، سيظهر لك قديماً قدم الدهر والدروب التي تحتويه ساعياً بين البيوت والحواري.

رغم إنتشار تلك الحرفة وتعظيم أجرها وثوابها عند الله فإن بريقها كان أقل من غيرها من الحرف مثل النجارة والحدادة والتجارة ، وقد إختلف ثمن المياه تبعاً لوفرتها أو قلتها فكان السقا سنة 1830 يتقاضي ثمن قربة المياه التي يحملها مسافة ثلاثة كيلومترات للسقاء الواحد قرش وللتنكة تعريفة أي نصف قرش

السقا رسول الحريم

كان هناك من اطلق  علي السقا مرسال الحريم ( أي النساء )وهو الأمين على أسرارهم  وينتهي بهم الأمر بأن يحصلوا أموالاً من الحريم والنساء ويتمتع هؤلاء السقاة  عامة بحظ أوفر من الآخرين ويوليهم أرباب البيوت أكبر قدر من الرعاية وتبسط النساء عليهم حماتيهن ويحرصن علي اراحتهم وفي بعض الأحوال  يكون السقا  دلالاً لمن أراد الزواج من صاحبة الحُسن والجمال صاحبة  الحسب والنسب .. وبلغ إهتمام عامة الناس وخاصتهم بالسقا أن البعض طلب من المحتسب أن يأمر سقاة الماء “” بالكيزان ” وهو الوعاء الذي ( يحمل فيه الماء ) وأصحاب القرب بنظافة أزيارهم وصيانتها بالأغطية وكذلك تغطية قربهم التي يسقون منها في الأسواق وبجلاء الكيزان النحاس كل ليلة وتطييب شبابيكها بشمع المسك واللادن والطيب العنبري .

 وكان للسقائين شيخ طائفة وأماكن للتجمعات وأخرى للسكن.

ومن الطريف  يلزم للمتقدم لهذة المهمة اجتيازه اختبار مبدئي لكي يلتحق بوظيفة السقاء وهو أن يستطيع حمل قربة وكيس ملئ بالرمل يزن حوالي 67 رطلا لمدة ثلاثة أيام وثلاثة ليالي دون أن يسمح له بالاتكاء أو الجلوس أو النوم كما كان يلزم أن يتصف السقا ببعض المواصفات، أهمها:

 أن يكون أميناً، وحريصاً على عدم تلوث المياه أثناء نقلها إلى المنازل وأسبلة الشرب العامة، وأن تكون القربة غير مصبوغة لكي لا تتلوث المياه باللون، ولا تكون بها أي ثقوب تنقص من كمية المياه

كان السقَّاؤون قديمًا ينقلون المياه فيما عُرف بالقِرَب، والقربة كانت عبارة عن وعاء مصنوع من جلد الثور يسع أربع قرب، وهي سعة جلد ماعز من الماء، واستلزم كثرة استخدامها واعتماد السقَّائين عليها في نقل المياه وقد أُنشئت لها مدابغ تُصنع وتُدبغ فيها وإشتهرت في حارة الجوالدة   المقدسية  وكانت هناك سويقة تقع بالقرب من باب الخليل بجوار المسلخ   تباع بها جلود الأنعام وإيهاب خراف  أو عنزة تُصنع منه  زق شكوه لمخض اللبن لتلك المهنة

وهناك من الشروط التي حدَّدتها كتب الحسبة ما هو خاصٌّ بالمياه داخل القرب، فكان على السقَّاء أن يُطهِّرَها وألا يترك القربة ناقصةً؛ ففي ذلك غش، كما يتعيَّن عليه أن تكون القربة سالمة من الخرق لأن الماء ينقص بسبب ذلك، ولا سيما إن كان الطريق من الموضع الذي يسكب فيه الماء بعيدًا والخرقُ متسِعًا فإن في ذلك أذيةً للمسلمين في طرقاتهم لنداوتها، كما كان يشترط عليه المحتسب أن تكون القربة من الجلود المدبوغة بالقرط اليماني ومصبوغة بالعصف، فقد ثبت أن ذلك يزيد من متانة الجلد، ونهاه المحتسب عن استخدام جلد البغل أو أيّ جلد قذر متآكل، وعليه ألا يستخدم قربةً جديدةً حتى لا يتغيَّر طعم ولون ورائحة الماء من أثر الدباغة، وإنْ استخدمها فلا ينقل فيها الماء إلى البيوت، بل عليه بيع الماء منها للطواحين وعصارات النبيذ ومضارب الآجر

وينبغي أن يكون للقربة غطاء ظاهر كثيف ساتر لجميعها؛ ليسلم الناس من تلوث ثيابهم، ويذكر المقريزي أن السقائين كانوا يؤمرون بتغطيتها بالأكسية، ولهم عيار، وهو أربعة وعشرون دلوًا، كل دلو أربعون رطلاً، وعليه أن يربط فَمُ القربة ربطًا جيدًا فلا يربطها ربطًا خفيفًا فيقطر منها ماء كثير من الجانبين.

ويذكر المقريزي أن عليهم أن يلبسوا السراويل القصيرة الضابطة لعوراتهم، وعليه ألا يسكب الماء في بيت فيه امرأة واحدة وإن كانت لا تظهر عليه، أو بيت فيه متبرِّجات خوفًا من الفتنة، كما يجب عليه أن يحيط المشتري بنوعية الماء.. هل هو طاهر أم نجس أم متغير بطاهر؟

وكذلك يجب أن يكون رجلاً أمينًا لا يخلط الماء بغيره من المياه المالحة أو بمياه الآبار، وعليه ألا ينتقص من القربة ثم يبيعها على أنها كاملةٌ، وكان المحتسب يختار للسقائين عريفًا عليهم، وهذا العريف بدوره يلزمهم باتباع

احتضار المهنة

أخذت مهنة السقا في الاحتضار بالقدس الشريف  ، حينما بدأت في إنشاء آلات الضخ والأنابيب التي توزع المياه داخل البلدة القديمة ولكن هذه المهنة لم تختفى فجأة بل  استغرق ذلك وقتا طويلا، لتختفي كليا حتى من الحكايات الشعبية، وتصبح اثر بعد عين ، وان هذه العجالة هي محاولة من عاشق للقدس ان يقول للجميع انعشوا الذاكرة بتلك المهنة التي انقرضت ولكنها كانت جزء من تاريخنا الشفوي وهو تاريخ مهم يساهم في معرفة الشخصية المقدسية

المراجع:

كتاب المواعظ والإعتبار بذكر الخطط والآثار المعروف بالخطط المقريزيّة – ج ٢

ناصر خسرو سفرنامه من مؤلفات ناصر خسرو باللغة الفارسية وقد كتب في سنة 437 هجرية. هذا الكتاب شبيه بكتاب سياست نامه مكتوب بلغة سهلة خالية من الصنعة والمحسنات

ابن بطوطة هو محمد بن عبد الله بن محمد اللواتي الطنجي، ولد في تاريخ  24/ فبراير/ 1304، واطلق عليه لقب امير الرحالة المسلمين، وفي عام 725 هجري خرج من طنجة وزار بلاد مصر والمغرب والحبشة والحجاز والشام ونجد والعراق و تهامة واليمن وعمان وتركستان والبحرين والصين والهند وافريقيا،

البلوي- المؤرخ المغربي هو البقاء  خالد بن عيسى  بن احمد  بن ابراهيم  بن ابي خالد  البلوي  ينتسب لمدينة  قنتورية  التي نشإ بها وتعلم  فيها  كذلك غفلت  المصادر التاريخية  ولادته لكن محقق الرحلة قدرها بسنة 713هـ

الكتاب المقصود في هذه العبارة التي ذكرها الحنبلي، ليس كتابه “الأنس الجليل”، وإنما كتاب “الأنس في فضائل القدس” لمؤلفه القاضي أمين الدين أحمد بن محمد الشافعي. لمزيد من التفصيل، راجع: كتاب كشف الظنون مجير الدين الحنبلي في كتابه “الأُنس الجليل بتاريخ القدس والخليل”:

الزِّقّ : وِعاءٌ مِنْ جِلْدٍ يُمْلأُ بِالْماءِ أَوِ اللَّبَنِ أَوِ الْخَمْرِ وَنَحْوِهَا

إيهاب معناه الجِلد، وقد لفظوه هكذا مختصراً من «إيهاب»  وقد ورد اسم علم منذ الجاهلية. ويدل كذلك على الصبر والجَلد على المكاره

الجراكن صفائح معدنية  تُصنع بإحجام مختلفة  كذلك الجردل

الدَلُو (الجمع: دِلاء) أو السَطْل (الجمع: سُطُول، أَسْطَال) أو الجَرْدَل (الجمع جَرادِل) وعاء على شكل مخروط مفتوح من الأعلى، له عروة كنصف الدائرة، يمسك منها الدلو. يستخدم لنقل السوائل، أو لتخزين بعض المنتجات، مثل الطلاء ونحوه. كانت تصنع الدلاء في الماضي من الخشب، مثل البرميل. والآن مصنوعة في الأغلب من اللدائن

ومنه يشتق اللفظ الإنجليزي للكلمة جركن أو جركل, كلمة أصلها فرنسي

إناء خاص بتخزين وحمل الوقود أ و المياه، وفي العراق تنطق
من معاني الدّالية في اللّغة‏:‏ الدّلو ونحوها، وخشب يصنع كهيئة الصّليب، ويشدّ برأس الدّلو، ثمّ يؤخذ حبل يربط طرفه بذلك، وطرفه بجذع قائم على رأس البئر ويسقى بها، فهي فاعلة بمعنى مفعولة، والجمع‏:‏ الدّوالي‏.‏

المِيزابُ : المِزرَابُ ، قناة أو ماسورة عموديّة يجري فيها الماء منصرفًا من أسطح الدُّور أو المواضع العالية، فينسكب على الأرض بعيدًا عن جدرانها

 الكيزان جمع كُوزُ : إِناءٌ بعُرْوة من فخّار أو غيره له أذن يشرب فيه أو يُصَبُّ منه

اصدار هيئة أشراف بيت المقدس

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق