حكايات مقدسية

حكاية جدي ,, الوصية

الباحث مازن أهرام (القدس)

جدي ما الحكاية كثير من  الصحب  والأصدقاء  لا تتسامر وإياهم  وكأنك تعتكف على نفسك  تتوارى معظم الأوقات  ولعل يوجد سبباً ما تخفيه

جدي  ما ذا  أقول  وقد أنهكتني السنوات لقد طُفت البلاد  والأمصار والتقيت بالعباد  وغنمت من الخيرات وأديت مناسك العمرة والحج ولله المنْة والفضل ورزقني  الله ذرية صالحةً تغدو ا وتروح للمسجد الأقصى وأوصلت ليلي مع نهاري وتعرفت على عادات الشعوب  واكتسبت  من تلك الدنيا الفانية  دروساً وعِبر

أخلو بنفسي وإلى أين المصير       قل لي إلى أين المسير

في ظلمة الدرب العسير              طالت لياليه بنا والعمر لو تدري قصير

يا فاتناً عمري هل انتهى أمري      أخاف أن أمشي في غربتي وحدي

في ظلمة الأسر يا مالكاً قلبي         آه من الأيام آه

يا جدي

الحياة  اليومية  مسرحًا ولدت العادات والتقاليد الشعبية في ثنايا مناسباتها   كما تعززت قوة هذه العادات في نفوس أبناء المجتمع مع تكرار هذه المناسبات حتى غدت أنماطاً تمثل قوة وقانونًا اجتماعيًا مترسخًا في النفوس يصعب الخروج عليها والانفكاك منها

 بل إن الشريعة الإسلامية أيدت العديد منها وحضت عليه، كحق الجار على جاره، وإكرام الضيف ومساعدة الفقراء ونجدة المحتاج ومساعدة الغريب. وإذا تصفح المرء سجل الحياة الشعبية الفلسطينية، وجد فيه الكثير من العادات والتقاليد التي استمدها من تاريخه الذي تمتد جذوره في حقب موغلة في القدم، تلاحقت فيه الموروثات الدينية مع تجارب الأمل والألم كشعب عربي عاصر العديد من الأقوام، فواقع بعضها، وحالف البعض الآخر ومر بظروف حتمت عليه التصدي لأعتى جيوش العالم ما جعله يمجد البطولة ويمقت الجبن والتخاذل.

ونتيجة للثقافة الشعبية التي حفرت في ذاكرة هذا الشعب كانت له هويته التقاليدية الخاصة التي قد تلتقي مع غيرة من الشعوب في بعض جزئياتها، وقد تختلف عنها في جزئيات  أخرى  فالتاريخ المشترك مع الشعوب العربية، ووحدة الدين، ووحدة اللغة، شكلت عوامل اتفاق ووحدة في العديد من هذه العادات؛ في حين شكلت حملات الغزو ومحطات التنكر لحقوقه عوامل تنافر مع عادات العديد من الشعوب الأخرى

أسمعت  الحكمة التي تقول

 ((لا تصحب من لا ينهضك حاله، ولا يدلّك على الله مقاله))

الصديق الصالح هو العبد الصالح  المطيع لربه الملتزم بأوامر دينه  الحريص على مرضاة الله المسارع بالإيمان إلى كل خير المنصرف بالتقوى عن كل شر المحب للسنة وأهلها  الموالي في الله  المعادي في الله  المبغض للعصيان وأهله   التقي النقي  البر الخفي   الذي لا غل في قلبه ولا حسد  الصديق الصالح هو الذي يذكرك بربك متى غفلت عن ذكره  ويعينك ويشاركك  إذا كنت في ذكر لربك .

جدي الزمان تتوالى أيامه فقل لي من تصاحب فأقول  لك  من  انت

إنّ الصديق الصالح خيرٌ من الأهل والأولاد؛ لأنّه يُذكّر بالآخرة، والأهل يُذكّرون بالدُنيا، ولكلّ شخصٍ من أصحابه نصيب.

والصاحب ساحب   وفي السفر ينبئك من هو الصاحب

أَخِي وَصَدِيقِي وَابْنُ وُدِّي وَصَاحِبِي        وَمَوْضِعُ سِرِّي حِينَ يَعْتَلِجُ الصَّدْرُ

هُوَ الصَّاحِبُ الْمَشْكُورُ فِي الْوُدِّ سَعْيُهُ      وَمَا خَيْرُ وُدٍّ لَيْسَ يَلْحَقُهُ شُكْر

أَمِينٌ عَلَى غَيْبِ الصَّدِيقِ إِذَا                 وَنَتْ عُهُودُ أُنَاسٍ أَوْ تَطَرَّقَهَا فَتْرُ

فَلا جَهْرُهُ سِرٌّ وَلا سِرُّ صَدْرِهِ                  إِذَا امْتَحَنَ الْوَاشِي ضَمَائِرَهُ جَهْرُ

ما زال العرب يحكون لنا في أشعارهم وأسفارهم عن رفيق السفر وأنيس الرحلة؛ حين كان الحادي يتقدم القافلة، وينشد بصوته الشجي ما تطرب له مسامع الإبل، فتنقاد في مسيرها، حيث يسير وتميل معه حيث يميل حتى اشتهر الحداء كأحد فنون العرب، كما هو الشعر وفن الخطابة، فقد كانت المدة الزمنية التي يقطعها المسافر أثناء سفره مدة ثمينة عند من لا يجهل قيمة الوقت، ولذا كان الحادي ينشد روائع الأشعار والحكم، ويحرص على التغني بتلك الأبيات التي تحث على الفضائل ومكارم الأخلاق لتذكر الكبير وتعليم الصغير وتروح عن النفس وتحبب الناس إلى عمل المعروف والإحسان، ناهيك عن أنها تعلمهم وتؤدبهم، فقد كان الحداء أدب ولون شعري رفيع القدر عُرف به العرب قبل الإسلام وبعده، لاسيما وهو بمثابة “خوي الرحلة” وسمير الراحل والمسافر.

حداء فوق «الركائب» يقطع المسافات و«النفس ولهانه» مع رجال يعرفون قيمة الصداقة

رفيق السفر

يروى أن أول من بدأ الحداء غلامٌ لمضر بن نزار في قصة مروية ومتداولة حين اجتمعت عليه الإبل وهو يصيح “وايداه” بعد أن ضربه سيده، وكان الأوائل في العصور المنصرمة يحرصون على قطع مسافات السفر بقراءة القرآن والتلبية والتكبير والتهليل في الحل والارتحال، بل شبه المؤرخون تراتيل جواري زبيدة بنت جعفر زوجة الخليفة هارون الرشيد بدوي النحل من كثر عددهن، كما كان المأمون بن الرشيد يجمع -حين سفره- الكتب لتقرأ عليه في الطريق، بل كان عضد الدول البويهي يحمل كتب أبو فرج الأصفهاني على ظهور الجمال لتقرأ عليه وهو في مسيره، كما كان سيف الدولة يصحب المتنبي في الحل والارتحال والحرب والصيد ليأنس سيف الدولة به وبقصائده، وكان أبو الطيب يتغنى بصاحبه ويمجد بطولاته ويصفه في قصيدته التي يقول فيها:

على قدر أهل العزم تأتي العزائم     وتأتي على قدر الكرام المكارم

وتعظم في عين الصغير صغارها      وتصغر في عين العظيم العظائم

وكان القراء أثناء طلبهم للعلم يتغنون بما يقرؤون من باب تسهيل الحفظ ووقوع الأثر في قلب السامع لا سيما أثناء السفر، كما تناغي الأم طفلها فيقبل بسمعه على مناغاتها ويبش ويلتهي عما كان عليه من البكاء،

ومازال الأدباء يروون لنا حال تلك الأعرابية وهي تغني لمولودتها التي غضب والدها حين علم أنه رزق بجارية صغيرة، وظل قامعاً في خباء جاره ما حدا بأمها أن تناغيها وتقول:

مال أبي حمزة لا يأتينا                 يظل في البيت الذي يلينا

غضبان ألا نلد البنينا                  تالله ما ذاك في أيدنا

وإنما نحن كالأرض للزارعينا         ننبت ما قد زرعوا فينا

وعن أخلاق الرجال من كلام الغزالي – رحمه الله – فى (الإحياء

وإنما سمي السفر  سفرا   لأنه  يسفر عن الأخلاق

تعلم يا جدي منذ سنوات عديدة أُمارس مهنة تجارة الأقمشة وتجارتنا شملت جهاز للعرائس نجلب بضاعتنا من الشام والهند وتركيا  ومصر ترغب النسوة من شراء (جهاز العروس) لجودة البضاعة وحسن المعاملة ناهيك عن سعر التكلفة وإمكانية تقسيت القيمة النقدية من الحول إلى الحول أو بعد جني المحصول من الزرع والاستفادة من ثمنها   وفي الركن المجاور  من حانوتنا  نبيع الأكفان تأتي الجاهة  المرافقة تحمل جهاز الكفن  على صينية نحاس الثوب الغير مخيط يكفن الرجل في خمسة أثواب هي: القميص والعمامة والإزار ولفافتان، وأن تكفن المرأة في سبعة أثواب، هي: الدرع والخمار والإزار وأربع لفائف، وندب خمار يلف على رأس المرأة ووجهها بدل العمامة للرجل، وتندب عذبة قدر ذراع على وجه الرجل وليفة  وقطعة صابون وعود بخور وصُرةُ من الحناء  وتتوجه إلى بيت المُتوفى لتشهد بعض القراريط من غُسل وصلاة في المسجد الأقصى المبارك  يتقدمها حملة البوارق  حتى يتوارى  في المقبرة ليدفن في مثواه الأخير

أه جدي كم هي الحياة  تبدأ مثل القنطرة  من رحم المرأة  إلى قبر لا يدري الإنسان منازله أرحام تدفع وقبور تبلع  فماذا  أعددت  جدي  في تلك الرحلة  وهل أعددت زادك قبل سفرك ليوم لا رجعة فيه ؟؟؟؟

مشيناها خطى كتبت علينا         ومن كتبت عليه خطى مشاها

ومن كانت منيته بأرض              فليس يموت في أرض سواها

المراجع:

الحكم العطائية    لابن عطاء الله السكندري (لا تصحب من لا ينهضك حاله، ولا يدلّك على الله مقاله

الفلكلور والتراث الشعبي الفلسطيني وكالة الأنباء والمعلومات الفلسطينية وفا 2022

الراوي : عبدالله بن عمرو | المحدث : عبد الحق الإشبيلي | المصدر : الأحكام الصغرى | الصفحة أو الرقم : 909 | خلاصة حكم المحدث : [أشار في المقدمة أنه صحيح الإسناد] | التخريج : أخرجه أبو داود (4343)، وابن ماجه (3957)، وأحمد (6987) باختلاف يسير

إنّ الصديق الصالح خيرٌ من الأهل والأولاد؛ لأنّه يُذكّر بالآخرة، والأهل يُذكّرون بالدُنيا، ولكلّ شخصٍ من أصحابه نصيب. قول الحسن البصري

الشاعر عبدالله  الفيصل “

الكفن / كما ورد في مواهب الجليل على متن الخليل (ص 25 ج2)، والشرح الصغير (ص 550 ج1

القيراط/ كان عبدالله بن عمر رضي الله عنهما يُصلي على الجنازة، ثم ينصرف، فجاءه رجلٌ فقال: “يا عبدَالله بن عمر، ألا تسمَع ما يقول أبو هريرة؟ إنَّهُ سمع رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ يقول: ((مَن خرَج مع جنازةٍ من بيتها، وصلَّى عليها، ثم تَبِعَها حتى تُدفنَ، كان لهُ قيراطانِ من أجرِ، كل قيراطٍ مثلُ أُحدٍ، ومن صلَّى عليها ثم رجَع، كان له مِن الأجرِ مثلُ أحدٍ))؟

اصدار هيئة أشراف بيت المقدس

الوسوم
اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق