حكايات مقدسية

دلو البئر

الباحث مازن أهرام \ القدس

وتتوالى الحكايات  في فلسطين طعم الحكاية مُختلف  عن بقية الحكايات التي تُروى طريقة السرد والتاريخ  والمكان كل شيء يمتاز  عن الأخرين أهلها  الصامدون خيراتها  ثمارها  هوائها  مائها

اليوم الحديث عن آبار الماء ولا يخفى على أحد في قُدسنا نجد آبار المسجد الأقصى المبارك وبئر النبي أيوب في سلوان وجُب يوسف عليهما السلام وتجد في قرى فلسطين عيون وآبار    كثيرة وان المياه الجوفية في ارض فلسطين تسد حاجات البلاد والعباد

الماء عصب الحياة، وشريانها، وأي نقص لهذا العنصر الهام والخطير في حياتنا يؤدي إلى كارثة حقيقية، بل إنه في بعض الأحيان تصبح وفرة المياه أو انقطاعها مسألة حياة أو موت. ولذلك تؤكد الشرائع السماوية أن  الناس شركاء في الماء والكلأ والنار وأن الحق في المياه هو حق ثابت من حقوق الإنسان.

الحكاية اليوم

في قرية متواضعة تُشرف على تلال مدينة القدس يوجد بئر ماء يرتوي منه أهل القرية ويسقون البهائم والزروع وفي أحد الأيام أدْلوُا الدَلوَفي البئر بِوَاسِطَةِ حَبْلٍ.  فعاد الحبل بلا دلو   وانفلت الدلو من عِقاله

فتبرع أحدهم لتلك المهمة أن يربط بحبل وينزل البئر، ولكن هذا الرجل اشترط أن يأتي أخوه ويمسك معهم الحبل الذي سوف يربط فيه.!

فاستغرب أهل القرية من شرطه وطلبه، وهم مجموعة وأقوياء للقيام بهذه المهمة، وحاولوا إقناعه دون جدوى، ولم يكن أخوه وقتئذ حاضرا

وافق أهل القرية على طلبه، وأتوا بأخيه، ليمسك معهم الحبل، ودخل الرجل في هذه الغياهب، ليستشرف الخبر، أوثقوه بحبل ونزل إلى قاع البئر    وأخذ يتحسس أين دلو الماء ويبحث بين الطين والطمي والرمال والحصى وقد غُطي جسده  وتلوث من رأسه إلى أخمص قدميه

وقال لهم اسحبوا الحبل فلما دنا من فم البئر نظروا شيئاً غريباً خارجا من البئر، من هول المنظر فظنوا أنه شيطان، فتركوا الحبل وولوا هاربين ولم يبقى أحد يمسك بالحبل إلا أخوه، فظل ماسكا بالحبل خوفاً على أخيه

خرج أخوه من البئر، وحينها عرف الجميع أن الله قد جعل أخاه سببا في نجاته ولولا ذلك لتركوه يسقط ليلقى حتفه داخل البئر.

لا يكاد إنسان اكتوى من أهله وأقاربه وعبّر عن مضاضته وألمه اكثر من أهل فلسطين فتارة تحت نير الاحتلال وتارة أُخرى في الشتات وتارة ثالثة من بني جلدتنا …. لك الله فلسطين أهي نقمة أم نعمة

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((يوشك الأمم أن تداعى عليكم، كما تداعى الأكلة إلى قصعتها. فقال قائل: ومِن قلَّةٍ نحن يومئذ؟ قال: بل أنتم يومئذٍ كثير، ولكنكم غثاء كغثاء السَّيل، ولينزعنَّ الله مِن صدور عدوِّكم المهابة منكم، وليقذفنَّ الله في قلوبكم الوَهَن. فقال قائل: يا رسول الله، وما الوَهْن؟ قال: حبُّ الدُّنيا، وكراهية الموت

فظلم ذوي القربى أشد مضاضة على المرء من وقع الحسام المهند

الخذلان والنكران ظلم – هو ظلم الأقربين إذا كان الخذلان من ذوي القربى فهو الظلم العميق الذي لا تمحوه حوادث الأيام لو سألنا أنفسنا سؤالا ما المقياس للقربى؟

 فالحبيب قريب للقلب ربما كان بعيد النسب فظلمه خذلان ، هل عنى الشاعر في ذوي القربى الحبيب ، لم يكن يعني ذلك ، بل كان يعني قربى الدم والنسب ، إذن كل من أراد أن يفسر البيت يفسره على هواه ، فمن أراد الحبيب فهو من ذوي القربى عاطفة ، ومن عنى الجار فهو من ذوي القربى جوارا  ومن عنى زميل عمل فهو من ذوي القربى زمالة ، حتى إنني سأقول أن من عنى الغريب فهو من ذوي القربى في غربته ، إذن فالخذلان المجرد يكون مرا باختلاف العامل للخذلان ، ويكون الخذلان أعمق حين تكون القرابة أعمق .سأقول إن الخذلان كالخيبة في وقعها ، بل هي الخيبة وما أعمق خيباتنا ، حين يأمل ويرتجي المرء من القريب فيصفع بخيبة تلو خيبة ، نختلف درجات مرارة الخذلان باختلاف المسبب لها ، وتخيل أيها أمثلة كثيرة تتدرج في مرارة خذلانها ، ستجد حينها أن المرارة تبقى مرارة والخذلان لن يكون إلا خذلانا .

الأنانية تولد الحسد، والحسد يولد البغضاء، والبغضاء تولد الاختلاف، والاختلاف يولد الفرقة و الفرقة تولد الضعف و الضعف يولد الذل، و الذل يولد زوال الدولة وزوال النعمة وهلاك الأمة. إن الأنانية تثير قدرًا من الرعب؛ بحيث إننا اخترعنا السياسة لإخفائها، ولكنها تخترق كل النقب وتفضح نفسها لدى كل مصادف.

والناظرُ في حالِ الناسِ اليوم  يرى رُخص النفوسِ عند أهلِـها ، ويرى الخسارةَ في حياتِـها لعدمِ مُحاسبتِها ، والذين فقدوا أو تركوا محاسبةَ نفوسِهم سيتحسرون في وقتٍ لا ينفعُ فيه التحسر ، يقول جل شأنه : } أنْ تَقولَ نَفسٌ يا حسرتي عَلى ما ! فَرطتُ في جَنْبِ اللهِ وإنْ كُنْتُ لَمِنَ الساخِرين

الخلاصة أن المؤامرات ما زالت تتوالى علينا من كل صوب وجهة لعلنا نجد أخاً صالحاً في هذا الزمان يُمسك الحبل ولا يفلته كما أفلته أخرون

والحكمة من تلك القصة في قوله تعالى (سنشد عضدك بأخيك) فالله سبحانه وتعالى لم يختار من الأقارب لشد العضد إلا الأخ    كذلك الأخت في قوله تعالى (وقالت لأخته قصيه) والأخت هي الرحم  احرص على كسب مودتها  واجبر خاطرها وعلى الأهل الحفاظ  على الأخوة والأخوات  بعد الوالدين  وخاصة في وقت الشدْة  والقول الفصل كُثر من تخلى عن قضيتنا وما آل إليه حالنا من تشتت وتمزق  وخلافات أهمس  في أُذن الأخوة مُذكراً لهم

في الحديث الشريف عن أبي ذر رضي الله عنه قال: تذاكرنا ونحن عند رسول الله صلى الله عليه وسلم أيهما أفضل مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم أم بيت المقدس؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: صلاة في مسجدي أفضل من أربع صلوات فيه ولنعم المصلى هو، وليوشكن أن يكون للرجل مِثْل شطن فرسه من الأرض حيث يَرى منه بيت المقدس خيراً له من الدنيا جميعاً “. رواه الحاكم ( 4 / 509 ) وصححه ووافقه الذهبي

وكأن رسول الله صلى الله عليه وآلة وسلم موجود بيننا الآن يَرى كيف مُني المسلمون بالهزيمة وسُلب منهم بيت المقدس بعد تحريره من الصليبيين على يد صلاح الدين، فأتى المحتلين في علوهم الأخير، وحُرم كل مسلم على وجه الأرض من زيارته إلا بقيود كثيرة وبختم العدو، وأصبح أقصى أمانيّ الواحد منا أن يكحّل عينيه برؤية القدس بوابة السماء ولو عن بعد

 واعتصموا بِحَبْلِ الله جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُواْ ۚ واذكروا نِعْمَتَ ألله عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَآءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بنعمته إخوانا وَكُنتُمْ على شَفَا حُفْرَةٍۢ مِّنَ ٱلنَّارِ فَأَنقَذَكُم مِّنْهَا ۗ كذلك يُبَيِّنُ ألله لَكُمْ ءَايَٰتِهِۦ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ

الوسوم
اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق