فنون السرد

في القطار

عبد السلام كشتير (المغرب)

في القطار …

كان يستهويني السفر على مثن القطار ، حينما كنت طالبا جامعيا بإحدى كليات العاصمة .. وكنت أفضله على غيره من الوسائل الأخرى ، للتنقل إلى مدينتي التي تبعد عن العاصمة بحوالي ثلاث مائة كلمتر ..
للقطار جاذبية خاصة ، وطقوس متميزة جعلتني أعيش مغامراتها الفريدة خلال تلك المرحلة . تبتديء بحالات الإكتظاظ والصخب الذي يرافقه أحيانا ، ومتاهة البحث عن مقاعد شاغرة للإستراحة والخلود الى النوم .. أو تلك الفسحات التي يمنحها مناخ السفر للركاب ليتعارفوا فيما بينهم ، ويتواصلوا مع بعضهم البعض .. فيطيب الحديث حول مختلف القضايا .. بدءا من ظروف السفر ، كالإزدحام وتأخر القطار عن مواعيده ، وضعف وتلاشي تجهيزات العربات .. إلى أمور كبرى تهم شؤون البلاد .. كالإنتخابات والغلاء وكل ما يؤثر على حياة المواطن ..
أثناء إحدى الرحلات ، وكانت أجواء فصل الربيع بادية على الطبيعة وعلى الناس .. والتي تتوافق مع عطلتنا الدراسية .. نقضيها بين أهلنا ، مستمتعين بالدفء العائلي وبما تجود به علينا بلدتنا من مباهج فصل الربيع ..
دلفت إلى الرصيف قبل موعد القطار بدقائق ..
لم يكن ينتظره مسافرون كثر .. إنما كان هناك القدر الكافي لتمتليء بهم جل العربات .. ألقيت بجسدي على كرسي خشبي فارغ ، وأنا أتأمل حركة الركاب وخطواتهم على الرصيف .. إذا بالقطار يحل بالمحطة في وقته المعتاد .. أسرعت بالصعود إلى العربة المتوقفة أمامي . ألفيت مقعدا شاغرا بمجرد تخطي أولى مقصورات المسافرين .. وضعت حقيبتي في الرف المخصص للأمتعة ، وجلست محاولا إسناد كتفي وساعدي على مسند المقعد الوثير .. أغلقنا باب المقصورة .. وكنا أربعة ركاب ، سيدة وإبنها النائم في حضنها ، وهي بدورها تغالب النوم الذي إكتسحها .. ورجل في المقاعد المقابلة لي ..
بعد مغادرة القطار لمحطة القنيطرة ، إذا بي أسمع أصوات خطوات الأحدية العسكرية الثقيلة ، وحديث بصوت مرتفع في الممر ، ليدخل علينا الى مقصورتنا ثلاث جنود بزيهم العسكري ، وهم يجرون تلك الحقائب الثقيلة ، التي تحمل على الظهر ، تبدوا من شكلها وحجمها أنها مملوءة بأغراضهم الكثيرة .. وضعوها في أماكنها ، وقعدوا وهم مستمرون في حديثهم بنفس النبرة التي أتوا بها .. بعد لحظات من جلوسهم أخرج أحدهم علبة سجائر من جيبه ، مكن زملاءه سجائر منها ، وأخذ لنفسه واحدة ، ثم تناوبوا على ولاعة أحدهم يشعلون منها سجائرهم ..
سارعت بكل أدب إلى تنبيههم بأن المقصورة مغلقة ، وقد يؤذينا دخان السجائر ..
لو تفضلتم إلى الممر لتدخنوا هناك وتجنبونا آثار الدخان .. فربما يكون من بيننا من لا يتحمل إستنشاقه ..
وكنت أعني بالملاحظة حالتي أولا ، فأنفاسي تختنق حينما يتسرب دخان السجائر أو أي نوع آخر من الأدخنة ، أوغبار أوروائح قوية ، إلى خياشيمي .. فأعاني بعدها من مضاعفات سوء التنفس ..
نظر الي صاحب علبة السجائر نظرة قوية كمن يريد أن ينهرني عن الكلام أو أن يتبع نظرته بتعليمات .. ثم ضرب بيده على المرمدة المثبتة بجانب مقعده وهو يردد بغضب ..
علاش دارو هادي هنا ؟.. كررها مرتين ، وهو منزعج من ملاحظتي ..!
لم أرد على كلامه ، بل أخذت حقيبتي وخرجت أبحث عن مكان آخر عساني أجد فيه غير المدخنين ..
لم يطل بحثي كثيرا ، فقد كانتت ضالتي في المقصورة الثالثة بعد تلك التي غادرت ..
السلام عليكم .. هل هذه المقاعد شاغرة من فضلكم ؟
رد علي رجل بالإيجاب ، يجلس بجانب سيدة وهو يبتسم ، ربما تكون السيدة زوجته ، فهما يشابكان أصابع يديهما في هيأة المتحابين ..
وضعت حقيبتي في رف الأمتعة ، ثم جلست أمام الزوجين .. جلت بناظري في القمرة ، لاحظت أنها شبه ممتلئة ، فهناك سيدتان وطفلة ورجل أمامهن .. في المقاعد المجاورة لنا ..
طلبت من الركاب إن كانوا يحبذون إغلاق باب المقصورة ، حتي لا يتسرب إلينا دخان سجارة أحد الواقفين في الممر ..
فأجمعوا على إغلاقها ..
لاحظت أن الرجل الجالس أمامي ينظر الي دون توقف . فقلت في نفسي ربما يود التحدث معي أو يريد أن يسألني عن أمر ما .. وأنا أجيب عن سر نظراته الي ، بيني وبين نفسي .. إذا به ينطق بأول سؤال ..
سمحلي .. طلعتي من القنيطرة ؟
قالها بلكنة فضحت أصله الفاسي وهو ينطق القاف وآلراء ..!
لا .. من الرباط سيدي .. فقط أزعجني بعض الركاب بسجائرهم ، فانسحبت أبحث عن مكان آخر علني أعثر فيه على ركاب مثلي لا يدخنون ..
لقد تحققت رغبتك .. يجيب مبتسما .
الحمد لله ..
ثم إستمر في التحدث إلي ، وهو يطرح أسئلة أخرى .. لاحظت أن زوجته تنهره بحركة من كتفها ليتوقف عن السؤال ..
أتركه يستريح .. فيك الهضرة بزاف .. !
فتأكدت من أصلها الفاسي هي الأخرى .
لا عليه ، أجيبها .. الحديث ينسينا التفكير في المسافة التي علينا قطعها ، وكذا زمن السفر .. فكان كلامي بداية لأسئلة أخرى ..
حتى لين بالسلامة ؟ لفاس ؟
لا . لتازة إن شاء الله ..
مزيان .. كتعمل فالرباط ؟
ويلي سكت على الرأجل مسكين ..
سكتي نتي .. وهو يمزج كلامه بضحك خفيف ..
يبدو أنني وجدت من سيؤنسني ..
لا عليه سيدتي ..
ثم اجبته عن سؤاله .. وأنا واثق من أنه ينتظر الجواب لا محالة ..
أنا طالب ، أدرس بكلية الآداب ..
مزيان .. إبنتي تدرس بكلية الطب ، وزارتنا أمس وأمس الأمس ، عندما كنا ضيوفا عند أحد أفراد عائلتي يقطن في مدينة الرباط .. واطمأنا على حالها ..
إنها في السنة الثانية ..
ماشاء الله .. ربنا ينجحها ..
وينجحك حتى أنت إن شاء الله .. تقول زوجته …
ثم وشوش في أذن زوجته وهو ينظر إلي مبتسما ..
تبغي تشرب شي حاجة أنا غادي للكافيتيريا ، بغيتك تونسني ..
المعروضة من الخير .. بسملت .. وقلت له هيا بنا .
فرافقته إلى مقصف القطار الذي يوجد في العربة الموالية لعربتنا .
ما أن قطعنا الممر الذي يفصل بين العربتين حتى وجدت نفسي أمام فضاء مقهى فعلي ، أو حانة أو ربما مطعم .. أو هو هذه الأشياء الثلاث .. فضاء مهيأ بشكل عصري ، بالنظر إلى كل تفاصيل تجهيزاته وديكوراته .. مضاء بالتمام والكمال .. تكاد ترى قشة متناهية في الصغر على أرضيته البنية .. يشطر الفضاء إلى شطرين غير متساويين ، بمنضدة طولية معقوفة الجوانب قليلا ، تشرف على صف من الكراسي المثبتة على أرضية المقصف بقائم واحد . يدور جزءها العلوي لتعوض ربما بهذه الحركة وضعها الثابت ..
بجانب نوافذ العربة قبالة المنضدة الطولية ، ثبتت كراسي وطاولات أقل علوا من تلك المجاورة للمنضدة .. يحتلها زبناء أنيقي الهندام وتلوح من محياهم آثار النعمة .. يتحدثون بهدوء وهم يحتسون شرابهم .. ومنهم من يدخن .. إنما لا يزعجنا الدخان هنا .. فالحانة مجهزة بآليات إمتصاص الأدخنة والروائح المنبعثة من مطبخ المقصف ، أثناء تهييء القهوة أو الأطعمة …
لم يمهل رفيقي نفسه حتى يطمئن في جلسته على الكرسي .. بل حركه بعقبه يمنة ويسرة بشكل خفيف ربما ليجد الصيغة المريحة للجلوس .. ثم بادر النادل بطلبه ..
يتحرك نادلان خلف المنضدة الطولية لتلبية طلبات ورغبات وحاجيات الزبناء بخفة ونشاط .. بلباس أنيق يستمد لونه من الألوان الأساسية لديكور القطار وتجهيزاتها .. مزين برمز المكتب الوطني للسكك الحديدية .. كما هو الشأن بالنسبة لكل ديكورات وتجهيزات العربات والحانة …
أسدلت الستائر على نوافذ عربة الحانة ربما لحجب نشاطها ، أو لسيادة العتمة في كل الأماكن خارج القطار ، فنحن نسافر ليلا ، والنظر عبر النوافذ في هذا الوقت ، يبقى ضربا من العبث .
وضع النادل قنينتين من الجعة على المنضدة أمام رفيقي الذي أدار بوجهه نحوي يستفسرني ماذا أشرب .. ؟
رغبت في قهوة سوداء ، مهيأة بشكل جيد لأواجه السمر ، وأبعد عن جفوني شيطان النوم الذي قد يحظر في أية لحظة ..
لا تشرب ..؟ أم لأنك لا تود الدخول إلى المنزل وأنت ناشط (ثمل) ؟ وأتبع كلامه بضحكة جميلة ..
لا هذا ولا ذاك .. أنا لا أشرب ولا أدخن .. هذا كل ما في الأمر ..!
حسنا فعلت ! وهو يؤكد على النادل بأن يهيئ لي قهوتي بما أوتي من حرفية ..
تهلا ليا في صديقي الشاب .. الطالب الودود ..
يقولها بغبطة وسرور ..
جلب النادل قهوتي مع طبقين صغيرين بهما تلك الأطعمة التي تصاحب عادة قنينات الجعة و كؤوس النبيذ ..
نقب .. نقب ربما راك جيعان ..
يأمرني رفيقي أن آكل .. بنبرة تعبيره الفاسية التي تترك عند سماعها زنة خاصة في الأذن ..
أرشف من فنجاني رشفات قهوة زكية وساخنة ، وأنقب من الأطباق .. قطع الطعام .. ورفيقي يحكي لي عن أمور كثيرة ..
في الحقيقة كنت أسمع دائما أن في الحانات ، يحلو الحديث بين الندماء ، فيفرغ الرفاق أمام بعضهم البعض كل ما عندهم من أخبار سارة أو سيئة .. فالفضاء يوحي بالحديث والدردشة والتحرر من ثقل حمل المشاكل ..
تزين هذه الأجواء أنغاما موسيقية هادئة كلاسيكية عربية وغربية ، تبث بتناوب وبمزيج ينم عن ذوق رفيع .. تزيد من إبتهاج الفضاء وجاذبيته ..
حدثني رفيقي عن إبنه الذي يدرس في فرنسا في إحدى المدارس الكبرى .. وعن زيارته له كلما توفرت إمكانية الزيارة .. وله بنت ثالثة لازالت تدرس بالثانوي ..
لم يكن لدي ما أحكيه لرفيقي إلا معاناة الطلبة ابان سنوات الدراسة ، وما ينتظرنا ، بعد الحصول على الإجازة من ، صعوبات الإندماج في سوق الشغل ..
رجع رفيقي للحديث عن مقاولته وكيف ناضل وإجتهد وضحى لتقف على رجليها ، كما يقول بين الفينة والأخرى .. فعالم الأعمال الحرة مليء بالصعوبات والمطبات .. وعلى الإنسان أن يكون ذكيا وصبورا ، وناجعا في تدخلاته ، وحذقا في إغتنامه للفرص لكي يحقق مبتغاه .. ويتمكن من خط مساره بين باقي المقاولين ..
بالمناسبة هاك .. هذه بطاقة الزيارة ، عليها كل المعلومات عن شركتي والهاتف والعنوان .. تهلا فيها (إحفظها ) ، ومرحبا بك في فاس في أي وقت .. أنا أدعوك لزيارتنا على الرحب والسعة . أياك أن تهمل البطاقة ..
شكرته على دعوته الأخوية لي ، وثقته في شخصي المتواضع .. وأنا أدس البطاقة في محفظة النقود الصغيرة الفارغة ، وأرجعها إلى الجيب الداخلي لمعطفي ..
إنما أريدك في مهمة خاصة .. وعليك أن تعمل ما في وسعك لمساندتي ، وتزكية موقفي ..
هات ما عندك .. قد أكون مفتاحا لحل مشكلتك .. ؟
القصة يا أخي هي أنه منذ أن تحرك بنا القطار من محطة الرباط ، خطرت ببال زوجتي فكرة النزول بمحطة مدينة مكناس لزيارة أختها هناك ، والتي تسكن في وسط المدينة ، غير بعيد عن المحطة .. فلم أوافقها الرأي لأنني لا أريد أن أزعج الناس ليلا وهم مرتاحون في مضاجعهم ..
وأنا ناشط (ثمل) كما ترى .. بغيت نزيد لداري .. باش نرتاح ..!
لا عليك سأحاول ، وأتمنى أن تقبل الحل الذي يروج في ذهني ..
أقبل كل شيء يعفيني من التوقف في محطة مكناس ..!
لا عليك ..
أنهينا ما كنا نشرب ، ثم فجأة بدأ الصوت النسوي يذكر المسافرين باقترابنا من محطة مكناس . فغادرنا المقصف نحو مقصورتنا ..
ألفيناها نصف فارغة فقد غادرها راكبان .. وزوجة رفيقي مضجعة على المقعدين للحفاظ على مكان زوجها ، وهي تحاول مداراة النعاس الذي بدأ يغازل جفونها تدريجيا ..
بمجرد وصولنا ، عدلت من جلستها وهي تضع يدها على فمها لإخفاء شدة التثاؤب التي إنتابتها ..
جلس زوجها بجانبها ، وأفضى إليها بأمر النزول في محطة مكناس .. وهو يخبرها بدور الحكم الذي سأقوم به ..
إن رفيقي له حل سيعجبك لا محالة ..
نظرت إلى مبتسمة .. وقالت :
دوخك ، دكسي علاس داك معاه .. أسنو هو هاد الحل ؟
(أهل فاس ينطقون الشين سينا .. والقاف .. أ. )
لا ، مسكين شرب غير الأهوة (القهوة) .. !
يجيبها نيابة عني ..
الحل سيدتي أن زوجك المحترم يتبرم قليلا من مثل هذه الزيارات المفاجئة للأهل .. خاصة وأن الوقت ليلا .. ربما سينزعج أهلك وسيضطرب نومهم ..
أقترح أن تكملوا السفر إلى مدينتكم ، ثم في نهاية الأسبوع المقبل أو الذي يليه ، لك الحق في زيارة أختك ، ويمكن أن تقضيا معها نهاية الأسبوع كاملة ، وتستمتعا بلقائكما …
واك واك الحأ (الحق ) سير الله يرضي عليك ..
شوفي صافي حكم رفيقي وفكرته ممتازة وأتفق معه ..
يتحدث معها وهو يتلفظ كلماته بسرعة ، ويمسك بيديها كما لو أنه يمنعها من القيام بفعل ما .. ثم يقبل رأسها بعد ذلك ، والإبتسامة الجميلة مرسومة على شفتيه لا تغادرهما ..
واخا أسيدي ما علينا .. على خاطرك ..؟
تم يردف .. ليخبرها بشأن الدعوة ..
راه عرضت عليه يجي يزورنا في فاس .. أعطيته بطاقة الزيارة للشركة ..
مرحبا بك في أي وقت .. إعتبرنا أهلك ..
شكرا جزيلا سيدتي على حسن كرمكم ونبل أخلاقكم ..
تابعنا دردشتنا في أمور مختلفة .. ليعلمنا بعد ذلك الصوت النسوي بإقتراب القطار من محطة فاس ..
رافقت أصدقائي الفاسيين إلى باب العربة وودعتهم .. وأنا أراقبهم من موقعي ، وهما يخطوان إلى خارج المحطة .. ثم إستدار صديقي نحوي ، وجدد الترحاب بي ودعوتي لزيارتهم ..
راك واعدتيني ، مرحبا بك .. إياك أن تفقد البطاقة …

الوسوم
اظهر المزيد

د. عائشة الخضر

( سورية ) د. عائشة الخضر الاسم الادبي : لونا عامر، مؤسسة ورئيسة الاتحاد العربي للثقافة. شاعرة واعلامية .. سفيرة سلام عالمي، المنسق العام للبورد الالماني في سورية مديرة مكتب سورية لاتحاد الجوائز العربية واعمال اخرى ... لها ديوانين مطبوعين وموزعين عالميا .. وترجمت أغلب القصائد ل 8 لغات عالمية والان بصدد طباعة ديوان بالعربية وديوان بالاسبانية وآخر بالفرنسية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق