[ بوح كالماء الراقد تحت اللسان ] \ الناقد والشاعر المغربي محمد علوط
***
***
( أ )
كالليلة ما بعد الألف
..
تقتضي [ مهنة الناقد ] أن تكون مفوضا للحديث ب [ لسان الآخر ] ، و أن تترك قدميك في مستودع الأحذية و أنت تدخل أو تخرج ( إلى – من ) النص ، رغم أن الحديث عن النص هو حديث عن [ مكان رمزي ] ، و أن فعل القراءة لا يعني أكثر من التجوال الطوبوغرافي المنقاد لسريان لغة داخل لغة ، أشبه بما يسميه رولان بارت [ هسيس اللغة ] ” 1 ” ، أو كاعتكاف غنوصي في أقبية اللغة بحثا عن استضاءة تنير كهوف العتمة .
ليست مهمة الناقد أن [ يشرح ] النص ” 2 ” ، و إنما أن يحدث فيه [ شرخا ] ، ذاك الذي يسميه جاك دريدا ب ( الجرح الهرمينوطيقي ) ” 3 ” ، للكشف عن المواثيق السرية للكتابة و القراءة داخله . و هي ليست في النهاية مواثيق متعلقة بالمتن موضوع القراءة ، و إنما تتعلق بالتعاقدات السائدة في نظام ثقافي و اجتماعي معين . إنه كما يرى تيري أنغلتون في ( ظاهرة الأدب ) يحاول الكشف عن العقود المبرمة بين الكاتب و القارىء و التي بموجبها يمكن لعمل إبداعي أن يعطينا وعيا بما يعتبر أدبا ” 4 ” . و بصيغة أخرى يؤشر على مجموع القرائن التي تسمح في سياق ثقافي و اجتماعي محدد بإبراز معنى الأدب و صورته كتعبير رمزي و سيميائي حول كنه [الضرورة الأدبية ] . ” 5 “
النقد الجوهري ، في ذلك ، هو الذي يستبق أفق هذا الانتظار ، أن يلقي كلمته أبعد من حدود النص و أبعد من حدود مجاله التداولي ، أي شق عصا الطاعة على المعيار الأدبي السائد ، بإضافة فجر جديد إلى ميراث الأدب ، مؤسسا الاحتمال و مستجيبا لنداء الليلة ما بعد الألف ، لتبقى الحياة ممكنة و الوجود قيد النشدان .
( ب )
ضيافة الغريب
..
حين أردت الحديث عن [ نفسي ] لا كناقد و لكن ك [ ذات ثقافية ] كتبت عملي الشعري ( أنامل تحت الحراسة النظرية ) ، و هو صوت كينوني مضاعف للحديث عن الذات . كان من كبير دهشتي أن مجمل من كتب عنه كانوا متحدثين من داخله عن أنفسهم . هذا ما كنت أتوخاه [ أن أختفي أكثر لأظهر أكثر في مسكن الغريب ] وفق التعبير البلانشوي ” 6 ” . لهذه المكاشفة دلالات كبرى ، أهمها أن قيمة أي عمل أدبي تأتي أولا و أخيرا من أن ينتفي فيه [ مفهوم المؤلف ] ليصير العمل الأدبي صوت قارئه ، أي تكسير جدار الغيرية في تمثل الذات ن بتحويل القارىء إلى أكثر من مؤلف ضمني أي إلى [ مؤلف فعلي ] .
لقد كان هذا هو جوهر الانتقاد الذي وجهه هنري جيمس إلى الناقد في نصه القصصي ( دورة اللولب ) ، و هو يخاطبه : ” لأنك تتحدث أكثر الوقت عن نفسك فلن تفهم أبدا سر نجاح العمل الأدبي ” ” 7 ” .
فيما يبحث نقاد عن صورة الكمال في أي عمل أدبي ، أنا لا أقتفي أثر هذا الوهم ، ذلك أن روعة العمل الأدبي تكمن في عدم اكتماله : أي في اقتفاء أثر السيرورة ، و محايثة الفاصلة لا النقطة . الأدب يأتي ليملأ فراغات و نسيانات أعمال سابقة ، هو زاد المسافر و يشتغل دوما كحلم اكتمال ، أو ك [ بحث عن الزمن المفقود ] بتعبير بروست في الجزء الأخير من مطولته الروائية ” 8 ” ، أشبه في ذلك بمحاولة كتابة سيرة فندق ، في كل ليلة يأوي في غرفه غرباء عابرون ، يغلدرونه مخلفين روائحم على أشياء المكان ، تاركين الأبواب و النوافذ مفتوحة لما يسميه بورخيس رمزيا في مجال الكتابة ب [ ضيافة الغريب ] ” 9 “.
( ج )
النظرية و ماكينة ترييش الدجاج
..
على هامش مختلف الأعمال الأدبية التي ألفها أرنستو سباتو ، كتب في نظري أهم مؤلف له و كان في النقد الإبداعي بعنوان [ الكاتب و أشباحه ] ” 10 ” . هو كتاب يعتمد تكنيك تكسير المرايا في حديثه عن غيره من كتاب عصره أو من الكتاب الأسلاف . لقد سمح لي هذا الكتاب [ بنفس تأثير كتابات عبد الفتاح كيليطو و بارت و دريدا و بورخيس ] باكتشاف أن لا مجال للحديث في الكتابة عن [ الصوت المفرد ] . كلنا في النهاية نكتب من داخل [ عقيدة سردية للكتابة ] . ليست النظريات الأدبية هي التي تمنحنا سر القول ، فالأدب دوما سابق على النظرية . إننا نكتب من داخل [ نص متعدد ] في تطابقاته و في غيرياته ، في التماثل و الاختلاف ، أشبه في ذلك بالتعبير الرمزي لعنوان المجموعة القصصية لأنيس الرافعي [ جميعهم يتكلمون من فمي ] ” 11 “.
النظرية حين تشبه ماكينة ترييش الدجاج لا تفعل أكثر من سلخ جسد جثة معتقة في الاحتضار ، معزولة و مفردة عن حياتها الجوهرية . هذا ما حدث كثيرا في أزمنة [ النقد الإسقاطي ] الذي يشبه تجريب ألأمصال في أجساد خيول جريحة . ليس صوت النقد الحقيقي سوى التفكير بصيغة الجمع في شيء تخال ذات الكاتب أنها يخصها دون الغير ، فيما الأمر بخلاف ذلك ، لكون أنطولوجية الكتابة أوسع و أرحب من السيرة الشخصية للكاتب . ذلك هو المعنى الجوهري الذي أدركه سان جون بيرس في ديوانه ( منافي ) قائلا : ( أكتب عن شخص لا يشبهني ) ” 12 ” و هي ذاتها العبارة كثيرة التردد في كتابات فرناندو بيسوا الذي حمل اسمه الشخصي دمغة أسماء سرية كثيرة. ” 13 “
( د )
البيان و التبيين
..
كل كتابة هي في الأصل [ بيان كتابة ] . أنا دائما أتوجس من كل أشكال البيانات ( التي هي إجرائيا ميتا – خطاب نقدي ) . كل بيان يصدر هو تجسيد لسعي يدهب بالفعل الحر للكتابة إلى ما يشبه [ مؤسسة ايديولوجية ] . الأمر دائما يتعلق بالانتقال من الرمزية الأسطورية إلى سلطة المعيار الايديولوجي . و يعد هذا من أكبر مفارقات التفكير بالأدب والوعي بالإبداع . الماهو أسطوري يجعل وعي الكاتب مرتبطا بأسئلة البدايات و التأسيس كما يوضح مارسيا إلياذ في ( مظاهر الأسطورة ) ” 14 ” ، و هو جوهر الدور الذي تقوم به [ الاستعارة الحية ] كتاويل رمزي و كتابة ثانية ” 15 ” . أما التمترس الايديولوجي فهو منشغل بفكرة النهاية ، بها يبتدىء و إليها يؤوول راسما حدود الوعي الشقي الذي أشار إليه جورج لوكاش في التعبير [ الرحلة بدأت ، الرحلة انتهت ] . ” 16 “
في النقد ، الزمن الإبداعي هو زمن هيرقليطي من داخل رؤيا جوهرية تعود بالكائن إلى [ أزمنته الأولى ] ” 17 ” . استعادة دائمة تضع عنفوان الكتابة ( كما عنفوان القراءة ) بين حدي المشابهة و الاختلاف . كل شيء يعود لكن يعود ك [ آخر ] . و هذا هو الضلع المكسور في النظرية الكلاسيكية التي تمنح المعيار أولوية على مغامرة اللانهائي و اللاحدودي الكامنة في تجدد دورة الحياة ، و هو أيضا الرحم المنجب للحداثة . الأدب كما في تأويلات قراء ( الغصن الذهبي ) هو المواجهة التراجيدية بين آدم و التاريخ [ التفاحة و الأبدية ] ” 18 ” ، مرد كل شعور بالانفصام و أساس كل غربة وجودية . الكتابة ك [ فعل تحرري ] تشتغل من ارتباط رمزي بالأزمنة السعيدة التي تسكن الذاكرة الميثولوجية للكائن و اللغة . يوجد الكائن باللغة كما توجد به ، لا انفصام بينهما . لكن فيزياء و كيمياء البحث عن هذه المعادلة الصعبة و المستحيلة هو ما يميز كتابة عن أخرى و نقدا على نقد غيره .
——–
الهوامش :
1 – رولان بارت : ” هسهسة اللغة ” ترجمة منذر عياشي ، مركز الإنماء الحضاري . حلب . ط . اولى ص 16 . 1999
*Roland Barthes (Lebruissement de la langue) ed Seuil . 1984 . Paris
2 – رولان بارت ، ” نقد و حقيقة ” ترجمة منذر عياشي ، مركز الإنماء الحضاري . حلب . ط . أولى 1994 . ص 118
*Roland Barthes ( Critique et v érit é) ed Seuil .Paris 1983
3 – جاك دريد : ” الكتابة و الاختلاف ” ترجمة كاظم جهاد . دار توبقال للنشر ط . ثالثة 2000 . ص 218
4 – تيري أنغلتون : ” ظاهرة الأدب ” ترجمة باسل المسالمة ، دار التكوين . دمشق . ط أولى . ص 39
5 – نفس المرجع السابق . ص 40
6 – موريس بلانشو : ” أسئلة الكتابة ” ترجمة نعيمة بنعبد العالي و عبد السلام بنعبد العالي . دار توبقال للنشر ط أولى 2004 ص 56
7 – هنري جيمس : ” دورة اللولب ” ترجمة عبد الله البشير و تروث أباظة . المكتبة الأنجلو المصرية . القاهرة . ط أولى . 1958
8 – را : الجزء الأخير [ الزمن المستعاد ] من رواية ” البحث عن الزمن الضائع لمارسيل بروست ( و هي في 7 أجزاء كتبت ما بين سنة 1913 و 1927 )
9 – عبد الله إبراهيم : ” الهجرة الأدبية و فشل توطين السرد – بورخيس نموذجا ” مجلة ( يتفكرون ) العدد 11 / 2018 . ص 84
10 – أرنستو سباتو : ” الكاتب و أشباحه ” ترجمة سلوى محمود . المركز القومي للترجمة .
القاهرو ط أولى 2015
11 – أنيس الرافعي : ” جميعهم يتكلمون من فمي ” دار خطوط و ظلال ط أولى 2025
12 – روجيه غارودي : ” واقعية بلا ضفاف ” ترجمة حليم طوسون مؤسسة هنداوي ط أولى 2023 . الفصل المخصص لسان جون بيرس . ص 70
13 – ابتكر فرناندو بيساوا هويات غيرية كتب بهم كذوات أخرى من أشهرهم الأنداد الثلاثة : ألبرتو كاييرو وريكاردو رييس وألبارو دي كامبوس .
14 – مارسيا إلياد : ” مظاهر الأسطورة ” ترجمة نهاد خياطة . مؤسسة هنداوي ط أولى . 1999 .
15 – الإحالة هنا على كتاب بول ريكور : ” الاستعارة الحية ” ترجمة محمد الولي دار الكتاب الجديد ط أولى 2016
16 – سعيد الغانمي : ” فاعلية الخيال الأدبي ” منشورات الجمل ط أولى 2015 . ص 170
17 – نورثروب فراي : ” تشريح النقد ” ترجمة محمد عصفور . منشورات الجامعة الأردنية عمان 1991 . راجع باب النقد النموذجي : نظرية الأساطير . ص 177 .
18 – نفس المرجع السابق ص 180



