النصوص الشعرية

قبلة على ثغر “اوغاريت”

الباحث محمد قجّة (سورية)

– 1 –
عانقي البحر ونامي في ذراعيه رضيه
ﻻ تخافي منه
فالعاشق ﻻ يقوى على فعل أذيه
يترضاك … خذي منه ،كما شئت ،هديه
أنت من نورت دنياه بفجر “اﻷبجديه”
– 2 –
يحمل الدنيا الى كفيك عربون محبه
باذﻻ في حبك المسحور عينيه وقلبه
واذا أومأت فاﻷمواج
تحني رأسها رعبا ورغبه
صار في كفيك من “صور”الى “قرطاج” لعبه
– 3 –
يا عروسا… يضفر البحر على جبهتها
اكليل تاريخ ندي
يغزل اﻷلحان في مسمعها بحة ناي
مترف الوقع شجي
زفها الموج الى الليل تراتيل نداء أبدي
– 4 –
يا عروسا قبل البحر حنانا شفتيها
وانحنى يغسل في حب ووجد قدميها
ترقص اﻷضواء في مرفأ عينيك
وتلقي معطفيها
وتناجيك ، عناقا ، أنت منها ..واليها
– 5 –
الزمان البر قد أقبل والشمس
منار في يديه
يزرع الشمس على ثغرك شﻻل أماني
فخذي كفيه في كفيك ينبوع حنان
واغرقا في قبلة
تحفر في نبض الزمان
……………. اوغاريت التي يعشقها البحر”
“ماهية العنوان ودلائل الرمز وفنيات الإبداع”
………………….
وهذه دراسة الناقد “أسامة نور” :
يحملنا عنوان النص وخاصة كلمة “أوغاريت ” إلى البحث والتفكير ؛ لأن هذا النص بطله ومحوره الرئيس هو العنوان …
وهذا يعود بنا إلى “عتبات النص”
عند الباحث والناقد الفرنسي “جيرار جينيت” ويعد العنوان من أهم العتبات النصية عنده ؛فهو عتبة موازية يسهم في فهم وتحليل النص. ، وعلم العنونة تكمن أهميته، أنه يهب النص كينونته بإخراجه من فضاء العقل إلى فضاء المعلوم.
والعناوين عند جيرار جينت “مجموعة من العلامات اللسانية يمكن أن توضع على رأس النص لتحدده ،وتدل على محتواه”؛ لإغراء الجمهور بقراءته .
-كما أن العنوان يحدد هوية النص ويشير إلى مضمونه ، وهو الموجه الرئيس للنص ، ويعلن عن مقصد ونوايا المبدع ..ويعتبر السيميائيون العنوان بمثابة سؤال إشكالي .
ويعرفه LeoHoek هويك بأنه”
مجموعة من العلاقات اللسانية تعلن عن فحوى النص “
ويرى جين ريكاردو JeanRicardo أن العنوان رحم حصب يتمخض فيه النص وينمو..
وبالنظر في عنوان هذا النص “
“قبلة على ثغر أوغاريت “
نجده عنوان يبعث على التساؤل والحيرة …فمن أوغاريت؟! .هل هي أنثى أم مكان أم …أم….؟!
استخدم الشاعر المجاز والتمويه في العنوان وكذلك في متن النص؛
ليوهمنا أنها علاقة حب وعشق بين
رجل وأنثي..وهي كذلك ولكنه عشق من نوع أخر! هو عشق تاريخي بين البحر ومدينته التي يحتضنها “أوغاريت” …
وهكذا فإن الشاعر يتحدث عن مدينة أوغاريت ذات التاريخ العريق ،والحضارة الزاهية وعن احتضان البحر وعشقه لها.
**”أوغاريت “مدينة سورية قديمه ، ويصنف علماء الآثار سوريا مركزًا لأكثر من أربعين (٤٠) حضارة
شهدت مدينة أوغاريت إحدى هذه الحضارات .
وقد أسس الكنعانيون مدينة أوغاريت في العصر البرنزي وشهدت أوج ازدهارها في القرنين الرابع عشر والخامس عشر قبل الميلاد، وتقع على الساحل الشرقي للبحر المتوسط
وشملت عدة ممالم ومدن كبرى ..
وقد اُكتُشفت أوغاريت عام ١٩٢٨م بواسطة فلاح سوري
حيث كان يحرث أرضه فاصطدم المحراث ببناية صلبه ثم تمَّ اكتشاف المدينة على يد بعثة فرنسية.
تعود التسمية إلى أغاروا أي الحقل أو الأرض الخضراء.
وتعد أوغاريت دليلًا على الحضارة والرقي؛ فإن مملكة أوغاريت طورت حياة اقتصادية وثقافية مزهرة.
كما أن شاعرنا ” محمد قجة” باحث حضاري ومكتشف “
ومن هذه المعطيات النصية فإننا أمام نص يعتمد على خلفية تاريخية حضارية من جانب الموضوع ،وعلى خلفية علمية كشفية من جانب المؤلف .
وبالدخول في عالم النص نجد :-
** أولاً من حيث البنية والشكل .
استخدم الشاعر المقاطع الشعرية في قصيدة تفعيلية على بحر الرمل حيث استخدم تفعيلة الرمل “فاعلاتن”
-و سنفرد للموسيقى موضعًا خاصًا-
استخدم الشاعر المقاطع ،وعددها خمسة مقاطع…كما استخدم التفعيلة بأعداد مختلفة في السطر الشعري الواحد ..هذه المقاطع متحدة الموسيقى ..صنع في كل مقطع مع انتهاء جملته حرف روي ..
فيقول في المقطع الأول:-
عانقي البحر ونامي في ذراعيه رضيهْ
لا تخافي منهُ
فالعاشق لا يقوى على فعل أذيهْ
وكأنه بيت عمودي مصرع ولكن زادت التفعيلات في شطره الثاني
ويقول في المقطع الثاني.
يحمل الدنيا إلى قلبك عربون محبهْ
باذلًا في حبك المسحور عينيه وقلبه
فكأننا أمام بيت عمودي ولكن التفعيلات في كل شطرأربع تفعيىلات..
ويقول في المقطع الأخير
فخذي لعبة في كفيك ينبوع حنانِ
واغرقا في قبلة
تحفر في نبض الزمانِ
هنا الروي النون ..
من هنا نخلص إلى أن الشاعر جمع في بنيته بين القديم والحديث
فقد حافظ على الوزن ..وحرف الروي رغم تغييره من مقطع لآخر
لكنه استخدم التفعيلة التي كانت قريبة من الشكل العمودي..
وكأنه بمضمون النص يعود بأوغاريت من بعيد تعود من أصل الحضارة والقدم للحداثة ، فجاء النص جامعا بين القديم والجديد…
ويذكرنا ذلك..في تقارب بنية النص بمحمود حسن إسماعيل ، وإبراهيم ناجي ، وعلي محمود طه ، وغيرهم ..لكن الشاعر غير في عدد التفعيلات ..
كما استخدم الشاعر لغة حية معبرة عن حالة الوجد والعشق .
**من حيث المعاني والتراكيب .
يحمل العنوان ماهية النص’ وفكرته الرئيسة..حيث يبدأ الشاعر بالتركيز على موقع أوغاريت وعلاقتها بالبحر وكأنها تعانقه ، وتنام بين ذراعيه لقرون عدة ..فاستخدم الشاعر الأمر عانقي الذي يحمل النصح الإرشاد والرضا والموافقة والاطمئنان ..ويؤكده النهي لا تخافي..ثم التعليل فالعاشق لا يقوى على فعل أذية ؛ليزيل الشك ويزيد في الاقناع وهنا يخاطب الشاعر أوغاريت وكأنها أنثى يعشقها البحر..
ثم ينتقل الشاعر فيقول أنت من نورت فجر الأبجدية ..إشارة إلى دور أوغاريت في الكتابة واكتشاف ووضع الحروف الأبجدية ثم امتدادها من صور إلى قرطاج ،ثم يصورها بعروس مما يوحي بالجمال والبهاء .
ثم يؤكد على دور أوغاريت في الموسيقي فقد كان لها الفضل في وضع أسس الموسيقى.
ويؤكد في المقطع الرابع عشق البحر لها وفي المقطع الأخير يبين عودتها للحياة واكتشافها ..وهذا الزمان أعطاها قبلة لتظل خالدة باقية.
من حيث الصور والأخيلة والرموز
رغم أن الشاعر يتحدث عن الواقع وعن كشف علمي ، لكن الشاعر بالتعبير عن أوغاريت بالأنثى والبحر بالعاشق استطاع بمهارة ان يحولها إلى قصة عشق وبذلك نسج صوره وأخيلته بطلاقة وحرية ..
فاستخدم ..الشاعر الصور الكلية والجزئية ..واستحدث صورًا وتراكيبًا جعلت النص يخرج من الواقعية إلى الخيال والشاعرية ..فالعنوان قبلة على ثغر أوغاريت ..حيث صورها بأنثى واستخدم الشاعر هذه الصورة ليبني عليها قصيدته وأخيلته ويحلق كيفما يشاء..
وكذلك عانقي البحر . أنت من نورت فجر الأبجدية..والأمواج تنحني رعبًا ورغبه..يا عروسًا..
والصورة الكلية المتحركة في..
ثم زفها الموج إلى الليل
تراتيل نداء أبدي،
واغرقا في قبلة تخفر في نبض الزمان .
فالصور جميلة حية متحركة استخدم الشاعر الصوت ،والضوء واللون ..وعبر عن ذلك في كلماته
الموج ..الليل ..نورت. ..فجر..
وكان للرمز دورًا هاما ..فجر يرمز إلى الحضارة والعلم ..الأبجدية رمز إلى معرفة وضع أسس الكتابة..قبلة الزمان للبقاء والخلود…
**من حيث الموسيقى…
لعبت الموسيقى دورًا كبيرًا في نقل الإحساس ، والمشاعر
فمن حيث الموسيقى الداخلية استخدم الشاعر تفعيلة بحر الرمل ( فاعلاتن) والرمل من البحور الرقيقة التي تناسب حالات العشق والوجد والهيام ،كذلك الروي في كل مقطع ..أعطى نغمة موسيقة ..
وهنا جاءت الموسيقى مناسبة للحالة ..
الموسيقى الداخلية ..التي تمثلت في التراكيب والصور ..والأيقاع بين الجمل والتناغم الصوتي والحركي
***..كل ذلك شكل نصًا حيًا متفاعلًا يتماس مع الآخر نجح الشاعر من انتشاله من الواقعية والمناسبة إلي الخيال والإبداع والبقاء ويخرج به مز الخاص إلى العام ..
**يبقى من وجهة نظري الخاصة ما يلي:-
١- رغم أن العنوان في تشويق ..ولكنه جاء أقرب إلى اللغز..فقد التبس الأمر على المتلقي العادي الذي يحتار في فهم غرض الشاعر
٢- المقطع الرابع ..نشعر أنه مكرر فلم يأت بمعنى جديد.
** النص فيه إبداع ،استمتاع ..نقله الشاعر بمهارة فائقة. من الصورة الحسية الذهنية الواقعية إلى الصورة الخيالية العاطفية الوجدانية ، التي يتماس معها القارئ ويشعر بها ..
الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق