فنون

قراءة حثيثة للوحة ” دعاء في ضوء القمر “

عبد الوهاب آحميرين (المغرب)

~~~  للرسام النمساوي كريستيان شلواي Christian CHOLEY ( ** ) ~~~
∆ .. إنها لوحة فنية مغناطيسية من حيث سحر مضمونها وجاذبية شكلها وعمق غموضها ،
لغزها يكمن في لبسها وتعقيدها ، وطرافتها تكمن في أسلوب تعييرها السوريالي ..
تعرض اللوحة فتاة جميلة ، ناعمة ، رقيقة ، أنيقة ، بسيطة ؛
شعرها أسود وثغرها ساحر ومراشفها تشتعل حبا رومانسيا ، تتأمل شيئا ما بحزن ؛
في أعلى اللوحة رأس حصان أدهم ودخان منبعث من نار ملتهبة لونها برتقالي يوحي بالكآبة والسوداوية والاحتراق ..
إن الفتاة في اللوحة تحترق في صمت ، محياها الجميل يوحي بأنها أنيقة وفاتنة لكن نظرتها المركزة تعكس الحزن رغم هدوئها وابتسامتها ،
عيناها غارقتان في التفكير العميق والتأمل الحزين ؛ ذاتها المستعصية على التأويل تتأرحح بين الواقع والمثال ، بين الألم والأمل ، بين المعيش والحلم ، بين المادي والروحي بألوان برافة وأضواء ساطعة ( لون سماوي غالب / لون برتقالي مشتعل .. ) ..
إن وجه الفتاة الحزينة مضيء ضياء القمر ، يرمز إلى الحرمان والحنين والغياب ( غياب المجهول المنتظر ، الرجل غير الموجود ) ، على اعتبار أن الجزء من كل ، أو رأس الحصان تعبير رمزي عن فقدان الرجل أو غيابه .. بدليل صباغة اللون البرتقالي الدال على الغروب والزوال ( حمرة الشمس في غروبها وغيابها في الأفق ) ،
حيث صعود النار المشتعلة البرتقالية من خلدها وجانبها الأيسر ؛ أما الشفاه فتعبر بالإيماءة عن الموسيقى الصامتة التأملية الغارقة في اللحن الحزين والحلم الجميل ” الضائع ” .. ∆ ∆ .. بعد هذه القراءة المقتضبة لظاهر اللوحة ،
أنتقل إلى القراءة الرمزية / السيميائية للوحة : أولا ، فوجود الحصان في الفن السوريالي أو الانطباعي يشير بالإيماءة إلى القوة والسلطة والجمال والنجاح والصبر والخصوبة والذكورة والرجولة والإستمرارية في وجود النوع ، فهو رمز الوفاء والولاء والنعمة والحرية والسفر والحب والوداعة والمؤانسة .. فوجود رأس الخيل في اللوحة بشكل مبهم هو تعبير فني عن الحرمان والغياب ، غياب الرجل المؤنس ، غياب الحبيب الموحش .. ∆∆∆ ..
بكلمة مختصرة ، فلوحة القلب المشتعل أو دعاء في ضوء القمر تحفة من تحف الفن التشكيلي العالمي الفريد بأصالته وفرادته وطرافته ، إذ التعبير الرمزي والانطباعية جميل بجمال غموضه ، وساحر بسحر أدواته ومؤشراته الفنية ؛
وهذا ما لمسته في قراءة لوحة الفتاة الجميلة ، الكئيبة التي تحترق شوقا وتشتعل انتظارا للموجود الذي كان معلوما وأضحى في لمح البصر مجهولا ، كان حاضرا فأمسى غائبا ..
( ** ) الرسام كريستيان شلواي C . COLEY نمساوي الجنسية ، يرسم رسما تشكيل سورياليا ، معظم أعماله الفنية تتمحور حول محور المرأة ، حواء التعسة الحزينة وحواء السعيدة المبتهجة ..
وهذا الغموض والتناقض هو سر لوحاته وسحر إبداعه ، فهو فن ملتبس غامض ،
يرسم كائنات أنثوية بمعية أشياء رمزية كالقمر والشجر والطير والزهر والنار والقوس والسهم وأعضاء الإنسان .. ~~~
الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق