المقالات الأدبية

قصص وتأملات تسبر أغوار الحياة

د. عائشة الخضر

بإهداء جميل لافت توّج الكاتب الصحفي أحمد راتب الخشن كتابه
” كلمات ذات أجراس” والذي صدر حديثاً عن دار دلمون للطباعة والنشر والتوزيع وجاء فيه:
إهداء
إلى براءتي التي بتّ أفتقدها
بعد أن أصابتني لوثة البشر
والكتاب عبارة عن تأملات تسبر أغوار الحياة، وتتغلغل في أعماق النفس البشرية تستخلص العبرة، والحكمة، وتصوغها بأسلوب أدبي راقٍ،وعبارات تستوقف القارئ بطابعها الفلسفي والإنساني حيناً، وطابعها التهكمي الذي يبعث ابتسامة ذات مرارة في أحيان أخرى.
نحو قوله” قالوا للأعمى: ماهمّك مدى جمال منْ أحببت؟.
أجاب : جمالُها يُشعرني أنّي لا أقتاتُ على ُفتات المُبْصرين.
وقوله:” لو يعلم العنقود أن مآله شفتيك لاختصر الزمن، وتجاوز عتبة الحصرم”.
كما صدر لأحمد الخشن كتاب آخر بعنوان ” النجوم لا تقول وداعاً” ويشتمل على 18 قصة قصيرة اقتنص فيها الكاتب عدداً من المشاهد الحياتية التي تجسد المجتمع العربي بمختلف شرائحه وتناقضاته، وقيمه ومثله. سواء من خلال التجارب التي عاشها، أو التي عايشها خلال مراحل حياته، والتي لجأ فيها للسرد بأسلوب السارد العليم الملم بكل شيء عن الشخصيات، والحوادث في القصة باعتباره الوسيلة الفنية التي يحبها القراء وفق ما ذكره الناقد الدكتور سمر روحي الفيصل في مقدمته التي قدّم فيها لهذا الكتاب. وتارة أخرى نرى الكاتب يلجأ لصيغة المتكلم الذي يتحدث عن تجربة شخصية، أو ما يوحي بأنها تجربة شخصية. وقد وفق الكاتب في كلا الحالتين في بعث حالة تشويق تُمتِع القارئ، وتشده للتعايش مع القصة، وكأنَه أحد أبطالها.
وهذان الكتابان رغم اختلاف شكلهما الأدبي فهما يجمعان سمة واحدة من حيث تمازج روح التفاؤل والثقة والأمل مع إفرازات الواقع ليشكلا معاً ظاهرة إنسانية بارزة تسلط الضوء على الجوانب السلبية والإيجابية في الحياة التي يمثل الكاتب جزءاً لايتجزأ من عمودها الفقري. فهو يعمل على الموازنة بين الحقائق الجليّة أمامه وبين المادة الفكرية التي أنتجت أدبه الذي امتاز بالتعمق في الذات، والفهم الواعي لحركة الواقع والطبائع البشرية.
ففي مجموعته القصصية النجوم لا تقول وداعاً يبدو الكاتب وقد استند إلى درجة من الوعي تصدى بها للكثير من تعقيدات الحياة لخلق وشائٔج قوية بين عالمه الخاص والموضوع الذي تتضمنه قصصه. منطلقاً في كتابيه من الوحدة النفسية والعزلة الروحية نحو بصيص نور يتألق في الأفق البعيد.
وقد تبنى أحمد الخشن نهجاً فنياً جمالياً مميزاً يتسم بالبساطة في طرح تعقيدات الحياة ومشاكلها ومفاجآتها التي كثيراً ما كانت تترك الكاتب في وحدة نفسية وعزلة روحية انطلق منها يحمل مصباحه الديوجيني بحثاً عن السعادة بتحقيق الاكتفاء الذاتي. فأحمد الخشن يوقد مصباحه في وضح النهار بحثاً عن الإنسان الفاضل الحكيم مثبتاً أن الفضيلة ليست مجرد نظريات فلسفية.
وفد نجح الخشن في ضخ فيومنات عالية من الحب في قصصه، فقلبه القادر على الحب لم يتضاءل كما رغيف الخبز بالعض، بل ظلّ الحب يشكل عنده قوة تتعاظم مع العمر وتمده بطاقة إبداعية. وهو بحاجة دوماً لذلك الحب لكي يشعر أنه محبوب هذا الشعور الذي يقتل شبح وحدته، ويجعله ينتصر عليها.
وطاقة الحب تلك هي التي تمده بلغة تدغدغ الحواس وتهفو إليها القلوب
وفي كتابه “النجوم لا تقول وداعا”ً نرى أن علاقة الرجل بالمرأة قد اتخذت عدة أشكال أولها البراءة كما في قصته” ومضى بنا الطريق” والتي أبرزت سعادة الشاب بصداقته مع ابنة جيرانهم الطفلة الصغيرة ليكتشف بعدها أن مشاعر الطفلة نحوه كانت مشاعر حب، ويمّر الزمن ليراها بعد حين شابة يافعة تجعله يعيد حساباته ليسترجع الماضي معها.
وفي قصته ” يتَمنّعْن وهنّ” يوضح براعة المرأة في إبراز جمالها ومفاتنها بشكل تجعل الرجل يطاردها ظاناُ أنه الصياد دون أن يعلم أنه الطريدة، فرغم ما تبديه الفتاة من صدود تجاه الشاب الذي يطاردها تراها تختتم تأنيبها له بدعوة غير مباشرة لينتظرها بقولها:
امضِ الآن وآمل ألا أراك غداً عندما أخرج إلى عملي حوالي الساعة التاسعة صباحاً.
أما الخيانة فقد كان لها حيزاً أوسع في مجموعة أحمد الخشن فهي تتخذ صفة الخطأ لا الخطيئة في قصة ” أنبل خيانة” والتي تتناول قصة حب شبه عذري بين رجل متزوج وبين امرأة غير زوجته وتلك المرأة لم تسمح لنفسها أن تلتقي بمن بادلته مشاعر الحب بل لم تدعه يراها إلا قبل يوم مغادرتها مع زوجها للعمل في بلد آخر، فزارته دون أن تعرفه بنفسها إلا بعد صارت قيد السفر لتقول له:
هكذا أبقى لزوجي وتبقى أنت لزوجتك‘ ويبقى هذا الحب رهين العالم الافتراضي.
وفي قصة “عدالة وجناية” تكتشف سعاد خيانة زوجها مع صديقتها بالتزامن مع اكتشاف أنها مصابة بالكورونا، لتعمد بعدها لنقل العدوى لزميلتها الخائنة التي لاتعلم بإصابتها كي لا تمنحها فرصة التفرد بالزوج خلال فترة حجرها الصحي، لتكتشف بعدها أنها ارتكبت جناية غير متعمدة فقد أدت إصابة زميلتها بالكورونا إلى وفاتها.
وهناك خيانة من نوع آخر في قصة ” شيء لايقدر بثمن” وهي خيانة الزوج لزوجته بإكراه الخادمة شانتي على أن تمارس الجنس معه بحالة شبه اغتصاب بعد تهديدها بالسجن نتيجة إمساكه برسالة لأسرتها تعترف فيها بسرقة 50 دولاراً اختلستها من جيب سترته.
وقد حفلت مجموعة النجوم للقاص أحمد الخشن باللقطات الذكية التي تشد القارئ بفكرتها قبل الخوض في تفاصيلها كما في قصته “عدت يا يوم مولدي”والتي تصور دهشة طفل فقير دعي إلى حفلة عيد ميلاد صديقه الغني، وكانت تلك المرة الأولى التي يسمع بها بعيد كهذا وما تبع ذلك من أحداث وتداعيات في منتهى الجمال وخفة الظل في السرد للمفارقات بين أبناء الفقراء وأبناء الموسرين.
وكذلك الحال في قصته “الغيرة لا تموت” والتي تجعل الجدة تستوقفه وهو يرافقها لقراءة الفاتحة على قبر جده المتوفى خلال حياته لأنها كانت تستشعر وجود علاقة حب بين زوجها وبين عجوز أخرى كانت قد سبقتهما بخطوات إلى المقبرة لترى إن كانت تلك العجوز ستمر على قبر زوج الجدة لتنال نصيبها منها. مما يؤكد أن الغيرة لا تموت بموت الحبيب.
كما اشتملت القصص على قصص مغرقة بالحزن كانت تبدو غريبة عن سمة الفرح والتفاؤل التي اتسم بها الكاتب كما في قصته “ثالوث الحياة” حيث تبين مشاعر أب طاعن في السن يفقد ابنه البكر وتختتم القصة بذهاب الوالد لأخذ متبقيات ابنه من المستشفى بعد دفنه وبعد تسلم الأمانة ينفجر باكياً وهو يقول: خاتم، وساعة يد وهاتف متحرك ثالوث اختصر حياة أعز إنسان.
ولكن تبقى نزعة الفرح والتفاؤل وروح الدعابة طابعاً غالباً على كتابي الخشن وخاصة في قصته ” إشكال عائلي، وعدت يا يوم مولدي”.​
أما كتاب (كلمات ذات أجراس ) وهو الإصدار المرافق الثاني للكاتب أحمد الخشن فقد حفل بمقولات فلسفية وحكم غنية بالمواعظ التي يطغى عليها الجانب الإنساني كونها ذات رسالة وهدف فهي تجمع بين الفائدة والمتعة والطرفة التي يتمتع بها الكاتب في كل مؤلفاته.
ويمنح الكاتب الخشن القراء زاداً ثقافياً وفلسفياً يوسع دائرة الوعي عند القارئ بذلك النمط الذي اتبعه أدباء مشاهير كجبران خليل جبران، وميخائيل نعيمة، لكنه لم يعتمد نصوصاً منتقاة لكتَّاب آخرين. إنما كانت النصوص من نسغ روحه وخلاصة تجاربه استطاع بواسطتها أن يعكس ثقافته ومواقفه من الحياة ومنهجيته التقدمية في التفكير التي تشكل للقارئ أداة مفيدة ممتعة مسلية تساعده على تكوين رؤية معينة وموجزة حول قضايا كثيرة.
أما في قصته الانتصار للذات والتي اختتم بها كتابه النجوم لا تقول وداعاً فقد جاءت قصة طويلة لا تصلح أن تندرج تحت مسمى قصص قصيرة بل أنها كانت تصلح أن تستخدم وحدها بشيء من المعالجة الدرامية لتكون نواة لرواية قصيرة.
وأخيراً لابد من إدراج قصص أحمد الخشن ومقولاته ضمن إطار الكتابات الموضوعية فقصصه تتمتع بخاصية الإيجاز والاختزال والسرد البسيط الذي تطغو فيه الجوانب الإنسانية. فهي قصص ومقولات واضحة الرسالة والهدف. لذا لا يمكن لمثل هذه النصوص أن تقول وداعاً ولابد أن تظل أجراسها تدندن بإيقاع سرمدي خالد لمن يقدر له قراءتها والتمعن فيها.
وأخيراً فقد شكل الكتابان في مجملهما إضافة قيمة تحتسب لرصيد الكاتب أحمد الخشن الأدبي.
الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق