فنون السرد

كنّا صغارا ً (الحلقة 13)

وفاء كمال الخشن (لبنان)

كانت صديقتي” ماجدة ” تكبرني بعامين .ففرض عليها والدها الحجاب .
وقد أرَّقني ذلك كثيراً .لأنه سيفتح الباب على مصراعيه لكي يفعل والدي ذلك إسوة بوالد ماجدة .
وتبع موضوع الحجاب منع ماجدة من الدخول لمنزلنا وحيدة .لوجود شقيقي الأكبر الذي طرَّ شارباه للتو .
لكنّ أمي ظلت تسمح لي بزيارتها. حيث كنَّا نتبادل الأدوار أنا أُدَرِسُها مادة اللغة العربية التي كان يساعدني
أخي الأكبر بفهمها , وكانت ماجدة تُدَرِّسُنِي الرياضيات التي كانت شقيقتها الكبرى تساعدها بفهمها .
كنَّا نَدْرِسُ في غرفة تقع في الطابق العلوي من منزلهم .
وكانت تلك الغرفة تحتوي على كُوَة عالية تطل على أحد صفوف المَدْرَسَة المحسنية ,
تلك المَدْرَسَة .التي أسسها السيد ” محسن الأمين العاملي ” . وكانت اول مَدْرَسَة على الطراز الحديث في العالم الإسلامي ومن أقوى المدارس علمياً , حينذاك .وكانت عبارة عن بيت دمشقي قديم . وقد نَقَلَتْ امي إخوتي الذكور جميعهم إليها.
وكانت تلك الشبابيك الصغيرة في أعلى الغرف دلالة على روح الوحدة الوطنية بين أطراف المجتمع السوري حتى بمافيهم أهل الذمَّة . حيث انه بالإضافة إلى الإستفادة منها في الإضاءة والتهوية يمكن تهريب الثوار حين تتم ملاحقتهم من قبل المحتلين فيما مضى . . فمن يكون في شارع ” مدحت باشا ” الذي تطل عليه ” مدرسة المحسنية ” , يمكن أن يصل بلمح البصر إلى حي ” مكتب عنبر ” الذي كان يحتوي مَدْرَسَة للفنون النسوية . وكانت تلك المدْرَسَة تحتوي بدورها نفقاً طويلاً ينتهي بالنادي الرياضي الذي يعمل به والدي .فالهارب يمكنه ان ينتقل بواسطة تلك الشبابيك الصغيرة والأنفاق , ويستطيع ان يختفي تماماً ويصل إلى حي آخر . مما يُضَيِّعْ الفرصة على جيوش الاحتلال من ملاحقة الثوَّار والقبض عليهم .
كانت الأيام التي نلتقي فيها انا وصديقتي للدراسة ,تتواقت مع دروس اللغة العربية لطلاب الرابع الاعدادي . حيث يتهادى لسمعي صوت المُدرِّس (من خلال الكوة في أعلى الغرفة ) هادئاً عذباً يجمع أجمل عبارات الحب وهو يروي للطلاب قصة عنترة وعبلة . كانت بنبرة تتبدل حسب الموقف , فتتهدج حين يتحدثُ عن صليل السيوف ، وتَرِِقُّ حين يتحدث عن ثغر عبلة ،وتتحوَل إلى نبرة حزينة في المواقف المحزنة ، وتعود لتصبح فرحة في المواقف المفرحة . كانت نبرته تتصل بأحاسيسي اتصالاً وجدانياً ، فوقعت تحت تأثير إيحاءات خاطبَتْ لاشعوري ، وخَلَقَتْ حالة من الانجذاب إلى صاحب الصوت خصوصا وهو يشرح قصيدة عنترة ذات المطلع :
ولقد ذكرتك والرماح نواهل وبيض الهند تقطر في دمي .
وكنت أعتقد أن ذلك البيت يعني أن عنترة تذكر عبلة رغم وجود نساء بيضاوات من الهند فالتفتُّ لصديقتي وسألتها : هل النساء الهنديات بيضاوات ؟ فأجابتني بكل ثقة : الهند كلها نساء بيضاوات . مثل (فيلم شامي كابور) .فسألتها : كيف اجتمع بهم عنترة في الصحراء ؟ فأجابتني بثقة : إن عمه كان يرسله إلى الهند ، وكانت تعتبر نفسها دوماً على حق حتى لوكانت مخطئة .لم يكن كلام صديقتي يقنعني ، إلى أن جاءت الإجابة حين سأل المدرِّس الطلاب عن معنى البيض وعرفت أنها السيوف
وبدأ بشرح البيت الثاني
فوددت تقبيل السيوف لأنها لمعت كبارق ثغرك المتبسم .
احسستُ أن منسوب هرمون السعادة يرتفع في دمي ويسبب لي النشوة. قالت صديقتي : ـ ياليتني عبلة .
فقلت ضاحكة : لوكنتِ عبلة لركب عنترة على السيف ولولح بالحصان . لم تكن صديقتي تفهم للنكتة , لكنَّ جمالها كان يغفر كل شيئ حتى حماقتها .وكنت أحس انها ستنافسني على المدرِّس ,الذي لم نره , خصوصا أنها كانت تكبرني بعامين وكانت طويلة . تخيلت أن المدرِّس عنترة يحمل السيف ويقاتل في الصحراء. لكن لم يعجبني تشبيه لمع السيوف ببارق الثغر . فشتَّان بين الشفاه الطرية التي تقطر ندى، والسيوف البتارة التي تنزف دماً،
قررنا أنا وصديقتي أن نقوم بمغامرة عنترية.فطلبتُ منها أن تصعد نحو الكوة باعتبارها أطول مني ، وتختلس النظر لتصفَ لي َالمُدرِّس علَّنا نروي تلك القوة اللامنظورة التي ازدهرت في أعماقنا وجعلت آذاننا تعشق قبل عيوننا .
لكن صديقتي رفضت لأن مدير المدْرَسَة كان صديقاً لأبيها . وكانت خائفة ، فقررتُ أنا الصعود . وضعتُ كرسياً قديماً من القش فوق الطاولة ، صعدْتُ عليه ومددتُ عنقي من النافذة ، ولم أتمكن من التمعن طويلاً بالمُدَرِّس الذي كان أسمر اللون قصير القامة بعض الشيء ، لكنه حرَّك أعماقي . وقد أفرحني قصره ، لأنه لورأى صديقتي بطولها الفارع سيتركها ويتوجه نحوي في الحال . فرفعت نفسي على رؤوس أصابعي ، أريد التمعن في ملامحه ، فرآني احد الطلبة . ارتبكتُ وتراجعتُ فصدر ضجيج في الصف . بينما كانت أرجل الكرسي تتقوس تحت قدميَّ ، حتى خرجت إحداها عن الطاولة فوقع الكرسي , وانبطحت أرضا ..فانشقت شفتي العليا .ومازال أثر الشق فوق شفتي شاهداً .وجُرِحَتْ ساقي اليسرى ببعض الخرداوات التي كان يجمعها والد صديقتي .وبدأ الدم ينزف من شفتي ..لم تكن صديقتي تهتم للنزيف بقدر اهتمامها بالبحث عن حيلة تبرر فيها الحادث .فما ان التقطتُّ أنفاسي قلت لها وأنا ارتجف من رؤية الدم الذي ملأ كفي عندما ضغطت على فمي :
ـ لننزل على الدرج وأتظاهر أنا بالتعثر وتنادي لأهلك كي يسعفوني فقد أخافني منظر الدم .
راقت الفكرة لصديقتي ،لكنَّ شدة الألم والخوف من اكتشاف أمرنا جعلاني أتعثر، من جديد وأتدحرج ثلاث درجات , وركض الجميع لإسعافي وانتهت مغامرتي في المستوصف القريب الذي تعمل به والدتي . ولم أعد أجرؤ على تكرار المغامرة .
فكل ماحدث بعد ذلك هو تخيلي لقصة عشق بين فتاة صغيرة وشاب كبير . أَلَفْتُ إثرها اولى قصائدي باللهجة المحكية وكانت هذه الحوارية بين فتاة مراهقة وشاب كبير:
ـ (الفتاة ):
كلما حكِيْتَكْ عالهوى سيره
بتْقولْ بكيرْ وبعْدِكْ زغيره .
لك كبيره أنا بْحِبَكْ
وكل بنتْ بعمْر الهوى كبيره ,
طاوع بقى قلبك
وتروكْ هالحيره
ـ (الشاب):
يازغيره جننتيني
وتْرَكْتيني بالحيره
حكياتك بيقولوا ستْ
وبالهيئة بنت زغيرة
ولو نمشي مرة عالدرب .
العالم بيقولوا غيره
وينك إنتْ ياهالشب
عينك عالبنت زغيرة

يتبع ….

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق