مش روميو وجولييت \ د. وفاء كمالو \ مصر

 

روك أوبرا مصرية ساحرة – – على القومي

يشهد المسرح القومي الآن ,  تحديا إبداعيا رفيع المستوى يفتح آفاقا رحبة يليق بعظماء الفن , الذين قبضوا على جمرات الوعي النارية , وزلزلوا المفاهيم المستقرة ,لنصبح أمام عالم جديد يموج سحرا وجمالا وامتلاكا للكيان – – , في هذا السياق تأتي الأوبرا الشعبية ” مش روميو وجولييت ” , كثورة جمالية عارمة يبعثها المخرج الكبير عصام السيد , ليهدي المسرح المصري قطعة فنية شاهقة , تواجهنا بانقلاب جذري على المفاهيم الكلاسيكية , واختراق الهيمنة التراجيدية , حين اتجه إلى مغامرته المثيرة المشاغبة , ودخل عالم  روميو وجولييت المأساوي المخيف , ليحول التراجيديا الدامية , إلى حالة صاخبة مدهشة تشاغب البيرلسك والجروتسك , فحطم أيقونات شكسبير الشهيرة , ليكتب الشباب رؤاهم الخاصة , القادمة من قلب واقعنا الشرس العنيد , ورغم ذلك كان شكسبير حاضرا بقوة في أحداث وشخصيات الأوبرا الشعبية , التي جاءت كابنة شرعية لزمن الخلل والاستلاب والضياع .

جاءت تجربة المخرج عصام السيد كوثيقة إبداعية تموج وعيا وسحرا واندفاعات , فالحياة  كانت ترقص في المسرح القومي , مع الفنان الذي أبحر ضد التيار وامتلك خصوصيته المتفردة وبصماته اللافتة وضرباته الجريئة الساخنة , ليصبح العرض هو قرار بالانحياز لإيقاعات وجودنا الوحشي , الذي تحول إلى نوع من الكاريكاتير الإنساني المثقل بالخلل والتناقضات , وفي هذا الإطار تواجهنا الصياغة الشعرية لأمين حداد , صاحب الروح المتوهجة الخلابة – , تواجهنا بنص غنائي موسيقي استعراضي مصري الملامح والأبعاد , الحالة الفنية تظل متدفقة , تبحث عن المعنى والإنسان , والتجربة تتحول إلى مفارقة ساخنة تفتح المسارات أمام عبقرية الحضور وسحر الاختيار , المنظومة الفنية ترتكز على أبعاد درامية وأدائية مغايرة , من حيث طبيعة الشخصيات والتقاطعات واندفاعات الفعل والأحداث والتصاعد والإيقاعات , تلك الإيقاعات التي تتضافر مع جماليات  الأداء وخصوصية المفردات  , ورشاقة  الرقص والغناء والضوء والحركة , لتدفع المتلقي إلى مسارات التفكير الواعي في طبيعة وجود متوتر يختلط فيه الواقع بالحقيقة , والماضي بالحاضر وملامح المستقبل .

تنطلق أحداث الأوبرا من مدرسة الوحدة الثانوية , الضوء يعانق الحركة ولغة الجسد , والإيقاع يثير دهشة الجمال , الغناء الخلاب يشتبك مع وهج الموسيقى , المشاجرة المفزعة بين الطالبين مايكل وعلى تتصاعد بجنون , العداوة الصارخة المعلنة بين الطلبة تشعل إيقاعات الخطر , الطالب المسيحي وزميله المسلم يندفعان إلى المستحيل , الانتقال الخلاب إلى حجرة الناظر يأخذنا إلى تشكيل سينوغرافي شديد الدلالة , بورتريهات الحوائط تروي عن طه حسين والعقاد ونجيب محفوظ ,  عن شوقي وحافظ وغيرهم من القامات , الأبعاد تتكشف حين يعترف الطلبة أنهم معترضون على العلاقة التي تربط بين مستر يوسف المسيحي ومس زهرة المسلمة , ورد الحب ونقائه يتحول إلى عصيان في القلوب , الأستاذ كان نموذجا للمثالية والنقاء والرجولة والشهامة والحب الإنساني النبيل , جمعته بزهرة أيام الزمن الأخضر في شبرا ,الشاشة تروي عن سحر علاقة العائلات , عن جدته وجدتها , ومشاعر النقاء الشاهقة  , التي تشكل روح الحياة , الطلبة تحدثوا عن الحرية والحلال والحرام , الحقائق تأتي عكس السياق , والفطرة الإنسانية السليمة تضيع وسط ضبابية المشاعر النارية , ليالي الحياة تكاد تختنق , والإيقاعات الساخنة تشاغب العقل والقلب , الناظر العظيم يتجه إلى الحل العلمي التربوي الاجتماعي السليم , الذي سيبعد الأولاد والبنات عن التشدد والتطرف , فالحل هو الفن , هو المسرحية التي سيشارك فيها كل الطلاب , البروفات بعد الدراسة , الكوريوجرافيا المغايرة المدهشة تثير وهج الحنين , ومسرحية روميو وجولييت ستكون هي المسار إلى الوعي الرحب والفكر المستنير .

يظل الفتى المتشدد عالي الصوت , متوتر الحركة يغني للكفر والعصيان , يقود الطلبة ليتظاهروا ضد روميو وجولييت وشكسبير , ورغم ذلك  تنطلق البروفات وتظل عيون الطلبة تراقب مس زهرة ومستر يوسف ومس تريز التي تحبه من أعماقها , وفى هذا الإطار تبعث تقاطعات شاشة العمق اشتباكات دالة مع الغناء والحركة والرقص على المسرح , القلق يسيطر على الأستاذة البريئة , تكاد ترضخ للإشاعات المغرضة  , تطلب من الأستاذ يوسف أن ينهيا علاقتهما , فيرفض مؤكدا أن قدسية النبل والحياة أكبر من مشاعر الردة الضالة , ويظل نجوم وشباب الروك الأوبرا الساحرة يبعثون تيارات الجدل المثير مع إيقاعات زمننا الوحشي , بينما يتبلور الحضور الشكسبيري العبقري عبر مشاهد المبارزة الثائرة , أما المشهد الأخطر والأشهر لجولييت في الشرفة وروميو في الحديقة , فقد تحول إلى أيقونة للعشق الوردي الغامض , ميرنا الطالبة الصغيرة التي تلعب دور جولييت , تقع في غرام زميلها , دفعتها حيرة القلب والعقل والكيان إلى أستاذها يوسف , صارحته وسألته فأنقذها من دوامات الوهم , أخبرها أن هذا ليس هو الحب , دفعها بعيدا عن مصير جولييت الدامي , تلك الحالة التي تفسر فلسفة وجماليات أوبرا ” مش روميو وجولييت ”  , وهكذا اكتملت البروفات , وجاءت الليلة الأخيرة الفارقة , البنات والأولاد عادوا لوعيهم , والانتظار الجميل يدفعهم إلى الغد حيث موعد العرض , لكن المفاجأة المخيفة تتفجر حين يندفع الطلبة المتطرفون ويحرقوا المدرسة , اللحظات الكبرى تشهد ميلادا جديدا للوعي والحب الصادق , الذي أطفأ نيران الجهل والردة , الأستاذ يوسف كاد أن يفقد حياته مختنقا , الطلبة جميعهم أنقذوه , صلوا من أجله , فعاد يغني لهم وللحياة , رقصوا معه وعرف الجميع أن المشاعر الإنسانية النبيلة هي المسار إلى امتلاك الوهج والحضور وسر الحياة .

شارك في الأوبرا النجم الساطع على الحجار صاحب الصوت الساحر , والأداء الخصب الناعم الخلاب , والنجمة الجميلة رانيا فريد شوقي التي بعثت طاقات الحب والحضور والحياة , مع الفنان الشاب المتميز ميدو عادل , والنجم الجميل عزت زين  , مع دنيا النشار , طه خليفة , آسر على , طارق راغب , والمطربة أميرة أحمد صاحبة الصوت الأوبرالي المتميز .

كان التشكيل السينوغرافي الذي تجاوز حدود الجمال المألوف- ,  كان للفنان محمد الغرباوي , وكانت الموسيقى والألحان والتوزيع للفنان محمد شعتوت , والاستعراضات المدهشة لشيرين حجازي , وكانت الإضاءة الدرامية اللافتة لياسر شعلان,  والجرافيك لمحمد عبد الرازق .

د . وفاء كمالو

اسم الكاتب:
Scroll to Top