فنون السرد

من حقيبة مذكرات الكاتبة وفاء كمال الخشن ( 5 )

وفاء كمال الخشن ( لبنان )

كنَّا صغاراً ( الحلقة الخامسة )
************************************

إنَّ ضَرْبَنَا لصديقنا المسيحي وَلَّدَ لدى أمي ردة فعل واسعة . قررت بعدها أن تنقلنا من مَدْرَسَة الشيخ إلى مَدْرَسة أهلية في شارع ” مدحت باشا ” الذي بناه الرومان في القرن الأول قبل الميلاد . وكان يتألف من طريق واسع في الوسط ورواقين جانبيين مسقوفين يقابلان الفتحتين الصغيرتين للبابين الشرقي والغربي، تحملهما الأعمدة المتوجة بتيجان كورنثية جميلة،وقد أسماه الرومان باسم فياريكتا (Via Recta) أي الطريق المستقيم، أما العرب فسمته بالشارع المستقيم، وقد بني بما يتناسب مع أسلوب بناء المدن اليونانية والرومانية، أي أسلوب البناء الشطرنجي والمقسم بالشوارع الصغيرة إلى أحياء صغيرة. كنت أعشق هذا الشارع وأسلوب بنائه ، ومازلت أعشقه لعراقته .ولأنه يخفي في طيَّاته حكايات عن أقدم مدينة في التاريخ . وفي العهد العثماني، قام الوالي مدحت باشا بتوسيع الشارع على حساب الدور السكنية . ولحسن الحظ لم تختفِ مدرستي التي كان كادرها التدريسي مسيحي والتي كانت أم جورج قد توسطت لوالدتي كي نكون طالبَيْن مستَمِعَيْن فيها .إلى أن تسدد والدتي القسط .
وما أن انقضى يومان ،على دوامنا في تلك المدْرَسَة سألتنا أمي
ـ ماذا درستما اليوم ؟
أجاب أخي : اليوم حكَتْ لنا المُدَرِّسَة قصة (ألله ) .توجه أبي بنظره نحو أمي وهو يبتسم ابتسامة تَشَفٍّ، لأنها هي التي ألحت ْعلى نقلنا من مدْرَسَتِنَا القديمة .
قالت أمي ماهي قصة الله ؟
أجاب أخي :
ـ هَيْ ( مرا خطبَها جوزيف ونفَخَهُ الله )
قلتُ : ياغبي الله نفخ المرأة .
سألتْ أمي : كيف نفخها ؟
– أجاب أخي بالمنفاخ
– وهل لدى الله منفاخ ؟ (سألت أمي ) .
أجاب أخي نعم لديه منفاخ أكبر من منفاخ أبي ..منفاخ بطول المئذنة .
ضحك أبي بصوت مرتفع أما أمي فاسْتَغْفَرَت الله ، ثم قالت : جئْنا لنُكَحِلَها فعميناها . لقد نقلناهما من تحت الدلف لتحت المزراب وبدأت تتهيأ لرحلة انتقال وعذاب جديدة.
قال أبي لأمي : لاتريدين أن يتابع الأولاد دراستهم في مدرسة الشيخ ولا في مدرسة القسيس . ماذا تريدين هل أفتح لهم مدرسة على حسابي ، أ م أرسلهم لمدرسة الحاخام نسيب ؟
وفي حقيقة الأمر كان لليهود مدارس متعددة في دمشق. وكانوا يسكنون في حي خاص بهم ،يدعى ( حارة اليهود ).يتقاطع مع حي الأمين, الذي تقطنه الطائفة الإثني عشرية ، وكنا قد انتقلنا إليه مؤخرا” . ورغم قلة عدد اليهود في سورية كان لهم دور مؤثر في الإقتصاد منذ العهد العثماني. حيث كان معظمهم مقرضين للولاة والباشاوات المتعاقبين وبعضهم كان يعمل في الصيرفة أو صياغة الذهب. وكانوا يتمتعون بحقوقهم. لدرجة أن حبر العاصمة كان له الدور الثالث بعد المفتي والبطاركة .لكن التغير السياسي : واستقلال سوريا ،وقيام بعض أعمال العنف . أدى لتصاعد العدائية ضدهم .وكانت هزيمة العرب في حزيران ، واحتلال الجولان إيذانا” باندثارهم الفعلي . حيث طُبِّق عليهم الحظر في جُلَّ نواحي حياتهم. وأغلقت مدارسهم وأوقافهم. وخضعوا للمراقبة في كل تحركاتهم . مما دفعهم للهجرة، ولم يبق سوى عوائل قليلة ( مسنين أو مجانين) وظلت روز غريبة الأطوار تربي القطط. لكنها كانت خاضعة للمراقبة .، هي والمغنيات الجميلات بنات شطاح والصيدلي عازار والطبيب نسيم حاصباني . إلى أن أصبح تاريخهم في طي النسيان.
يتبع …

اظهر المزيد

د. عائشة الخضر

( سورية ) د. عائشة الخضر الاسم الادبي : لونا عامر، مؤسسة ورئيسة الاتحاد العربي للثقافة. شاعرة واعلامية .. سفيرة سلام عالمي، المنسق العام للبورد الالماني في سورية مديرة مكتب سورية لاتحاد الجوائز العربية واعمال اخرى ... لها 3 دواوين مطبوعة وترجمت أغلب القصائد ل 9 لغات عالمية والان بصدد طباعة ديوان بالعربية وآخر بالفرنسية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق