من حقيبة مذكرات الكاتبة وفاء كمال الخشن 8

كنَّا صغاراً ( الحلقة الثامنة ) :
*********************************

منذ نعومة أظافري تعلمتُ أن الاقتراب من ثوابت السماء أمر خطير
لا يجوز المساس به أوالاقتراب منه.فذلك عمل غير مشروع أبداً .
كنَّا صغاراً وكانت أسئلتنا كبيرة :
– أين يجلس سبحانه وتعالى؟
كانوا يجيبوننا :في السماء السابعة.
– وهل يهبط إلينا على مصعد طويل ويقبض أرواحنا ؟
كانوا يقولون:الله لا يهبط علينا إنما يبعث رسله وملائكته.
قلنا : إذا كانت الملائكة تفعل ذلك لن نحبها.وكم ذ كرتُ أمام أمي أنني لم أحب “منكر “ولا “نكير” ولا”عزرائيل”. لأنهم يسرقون النوم من عينيَّ.
كانت ترتعد فرائصنا من الموت لا لأنه نهاية لحياتنا , بل لأنه بداية لعذاباتنا وخوفنا .
ولكن حين كنَّا نتساءل عن الجنة والنار.كانوا يهدئون من روعنا ,ويقولون :أنتم عصافير الجنة ولستم معنيين بالعذاب.
وفق معرض هذا الحديث أتذكر وقد أصبحتُ أماً تساؤلات ابنتي فضاء عندما كانت صغيرة . تلك التساؤلات التي مازلتُ اعجز عن الإجابة عنها . فقد سألتني ذات يوم :
ـ ” ماما الله بيلعب كرة ” ؟ صمتُّ طويلا قبل ان أجيبها لكنها قطعت صمتي بتحليل طفولي قائلة :
ـ ” مو إنتِ قلتيلي هو ماسك الكرة الأرضية ؟ونحنا قاعدين عالكرة الأرضية ..أصبح هو عم يلعب فينا ” .كان عليَّ حينها ترتيب الجواب لأن طرح مثل ذلك السؤال لايمكن الإجابة عنه إجابة سطحية .. وكلما تشاغلتُ او تباطأتُ بالإجابة كانت تتوالى أسئلتها: ” ماما الله بيوقع ؟ ولم يكن ليخلصني من الرد إلا جواب شقيقتها الأصغر ” رحيل ”
ـ “لوكان بيوقع كان بيخبصنا كلنا ” ..كنت دوما احاول تغيير دفة الحديث لأنني لم أعتد الحديث عن الله جل وعلا بقلة إحترام .
وكبرتِ فضاء وكبرت رحيل ، وتفاقمت الأسئلة ومازالت الأجوبة صعبة للغاية ومتعذرة . وربما تسألهما حفيدتي ” هيلين “ذات يوم أسئلة مماثلة .وسيجيبانها :إن جدتك كانت أجبن من ان تجيبنا عن هذه الأسئلة . وكيف لي ان أجيب ،وأنا التي كنتُ أتخيله “جل وعلا” مثل لاعب السيرك يقفز فوق الفراش الوثير ونحن المتفرجون الذين سيحرقهم بناره؟
فقد كرهتُ صورته..لكثرة ما حدثوني عن عذابه وناره التي يتفنن فيها بكيِّ جلودنا البضة وجَلْدِه الذي لا يتلاءم مع نعومة الجلد الذي وهبه لنا .،وسيفه المسلط على رقابنا طويلاً جداً. أطول بكثير من آثامنا .
شببنا عن الطوق ,وتفاقمت الأسئلة .حيث بتنا مسؤولين عن أركان ديانتنا..بدأنا نتساءل عن جدوى صلاتنا وصومنا وحجنا.وظل الجواب: الثوابت هي الثوابت.
تقدمنا في العمر عتياً ,ومازال “حلال محمد حلال إلى يوم القيامة”.وعلينا تقبله دون جدال وإلَّا نصنف في قائمة الملحدين الذين يتوجب تطبيق الحد عليهم . بل بات الاقتراب من هذا الحلال أكثر خطورة ,لأننا لم نكن معنيين سابقا بإشكاليات العقائد,التي باتت تقسم عالمنا إلى معسكرين عقائديين.جعلا وجودنا لا إنسانياً مفعما بالقلق .
كان لابد لنا من البحث في بواطن الكتب التي تنالها أيدينا علنا نجد مصيراً لذلك التيه الذي نعيشه.علنا نعرف حقيقتنا أو معنى وجودنا.استمعنا للوعاظ والرهبان للفقها والخطباء والمنبريين.فلم يستطع احد أن يضع النقاط على الحروف.فالثوابت التي حيرتنا هي نفسها .رغم النقمة التي نعيشها والقلق والحيرة اللذين يعتوراننا لما يسود في عالمنا من ظلم وقتل وتشرد وجوع وغربة.
ومازلنا نرفع رايات الرب ونقيم شرائعه وشعائره.ولا نراه حين نرفع شعاراتنا ومظالمنا وقهرنا وجوعنا وعذاباتنا وسرقة أرضنا وحبالنا الصوتية .يقتل الإنسان أخيه الإنسان باسم الدين يُكَفِر المسلم المسيحي ,ثم يتلو :”تعالوا الى كلمة سواء…” ندوس الجياع ونسجد فوق جثامينهم ,ننهش لحوم بعضنا ونصوم عن اللحوم.
نعود أدراجنا نقرأ كتب الفقهاء . فلا نجد الا فتاوى تكفرنا وتتهاون في ديانات قلوبنا.
فنعود أدراجنا نردد مع”مالارميه”: “وا أسفاه الجسد حزين وقد قرأنا كل الكتب ” .
يتبع …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top