أنا أرطَبونُ فلسطينَ…

Picture of الاتحاد العربي للثقافة
الاتحاد العربي للثقافة

عماد خالد رحمة – برلين


ا بالسيوفِ التي أرهقَ الصدأُ

حدَّها،

ولا بالخُطَبِ التي نامتْ

على منصّاتِها الخشبيّةْ،

لكنَّني

أحملُ الأرضَ في نبضِ شرياني،

وأُخفي البلادَ

كسرِّ النبوءةِ

في لغتي الأبديّةْ.

أنا أرطَبونُ فلسطينَ…

أمشي،

فتنهضُ من خُطوتي

ألفُ حيلةِ ضوءٍ

على وجهِ عتمةِ هذا الزمانْ.

وأزرعُ في الرملِ

مكيدةَ قمحٍ،

فتُفلسُ ريحُ الخرابِ،

ويُولدُ من ضلعِ سنبلةٍ

موسمُ الاطمئنانْ.

أعرفُ أنَّ العدوَّ

يُجيدُ صناعةَ قيدٍ جديدْ،

ويُتقنُ رسمَ المتاهاتِ

حولَ الجهاتِ،

ولكنَّني

أُتقنُ أكثرَ

فنَّ النجاةِ من المستحيلْ.

أُراوغُهُ

بشجرةِ زيتونٍ

أقوى من المدفعِ المستطيلْ.

وأهزمُهُ

بطفلٍ يخبِّئُ في حقيبتِهِ

وطناً كاملاً

وقنديلاً

ومفتاحَ بيتٍ نبيلْ.

أنا أرطَبونُ فلسطينَ…

لا أخدعُ الناسَ،

لكنَّني

أخدعُ اليأسَ

حينَ يمدُّ يديه

إلى خيمتي.

وأسرقُ من فمِ موتي

أغاني البقاءْ.

وأكتبُ فوقَ الجدارِ

الذي شيّدوهُ:

هنا سوفَ تعبرُ شمسُ الحريةِ

مهما تطاولَ هذا المساءْ.

أنا ابنُ المنافي،

ولكنَّ روحي

أقامتْ على سفحِ قدسٍ

وألقتْ جذورَها

في تُرابِ الخليلِ

وفي يافا

وفي غزةَ الصابرةْ.

إذا سقطَ البيتُ

أبني من الذكرى بيوتاً.

وإنْ سقطَ الاسمُ

أرفعهُ رايةً

في ضميرِ القصيدةْ.

وإنْ سقطَ الجسدُ

ينهضُ من دمهِ

وطنٌ

لا يموتْ.

لذلكَ أخشى عليَّ

من النسيانِ

أكثرَ ممّا أخافُ الرصاصْ.

فما قيمةُ العمرِ

إن لم يكنْ

سُلَّماً نحوَ معنى الخلاصْ؟

أنا أرطَبونُ فلسطينَ…

أقرأُ تاريخَ شعبي

كما تُقرأُ سورةُ الصبرِ

في ليلِ محنةْ.

وأسمعُ أصواتَ شهدائِهِ

وهي تعبرُ من زمنٍ

إلى زمنٍ،

حاملةً مشعلَ الفكرةِ المُؤتمنةْ.

هنا مرَّ شاعرُ مقاومةٍ

فصارَ الكلامُ بنادقَ نورْ.

وهنا مرَّ طفلٌ شهيدٌ

فصارَ الضميرُ العالميُّ

يُراجعُ معنى الحضورْ.

وهنا مرَّ شعبٌ

فأصبحَ رمزاً

لكلِّ الشعوبِ التي ترفضُ القهرَ

في كلِّ عصرٍ

وكلِّ دهورْ.

أنا أرطَبونُ فلسطينَ…

لا لأنّي أملكُ

سرَّ الحروبِ،

ولكن لأنّي

أعرفُ أنَّ الحقيقةَ

تبقى،

وأنَّ السنابلَ

تعلو،

وأنَّ الدماءَ النبيلةَ

تُثمرُ في آخرِ الدربِ

ألفَ عبورْ.

فإنْ متُّ يوماً

فلا تكتبوا فوقَ قبري:

هنا رجلٌ قد مضى.

واكتبوا:

هنا وطنٌ

ظلَّ يقاتلُ

حتى غدا

في ضميرِ البشريّةِ

أيقونةً للكرامةِ

والنورِ

والحريّةْ.

شارك المنشور:

Facebook
Twitter
LinkedIn
Pinterest

تغطية لاهم المعارض الفنية

معارض فنية لفنانين عرب وعالميين
أحدث الأخبار

اشترك الأن في القائمة البريدية

اشترك في القائمة البريدية لتحصل على أخر التحديثات الجديدة