إياد حسن. كاتب مقيم في فيينا
يأتي اليوم العالمي للغة العربية ليذكّر بأن هذا اللسان العريق هو وعاء للتواصل بين البشر، و حاملٌ لثقافة ممتدّة في الزمن، وفضاءٌ تتجاور فيه المعرفة والجمال والهوية. ومن المفيد، في سياق الاحتفاء، التمييز بين مفهومي اللغة واللسان العربي، لأن هذا التفريق يساعد على قراءة حاضر العربية ومستقبلها قراءة أدقّ.
فاللغة، في جوهرها، نظام رمزي متكامل يضم مفردات وصيغًا وقواعدَ تُنتج المعنى. أما اللسان العربي فهو تجلّي هذا النظام في الواقع الاجتماعي والثقافي؛ أي في ما يتداوله الناس من كلام ولهجات، وما يقدمه الأدب والفكر من ممارسات لغوية حيّة. اللغة هي البنية العميقة، بينما اللسان هو التطبيق المتنوع والمتغيّر. وبذلك يمكن القول إن ثبات اللغة ومرونة اللسان يشكلان معًا ثنائيًا يُبقي العربية حيّة وقابلة للتطور.
ومن بين الخواص التي تمنح العربية جاذبية خاصة على مستوى المعرفة والتفكير، خاصية الاشتقاق من الجذر الثلاثي. فهذا النظام الفريد يتيح توليد عدد كبير من المفردات ذات الارتباط الدلالي من أصل واحد، ما يمنح العربية اقتصادًا لغويًا واضحًا وقدرة على توليد المفاهيم. فالجذر الواحد ينتج عائلة كاملة من الكلمات، مما يجعل التفكير بالعربية عملية مترابطة، ويمنح اللغة مرونة في التعبير دون الحاجة الدائمة إلى ألفاظ دخيلة. هذا الثراء الاشتقاقي ليس جمالًا لغويًا فحسب، بل هو أيضًا بنية معرفية تشكّل طريقة نظرتنا إلى العالم.
ومع دخول عصر الذكاء الاصطناعي، تواجه العربية تحديات جديدة لكنها تفتح أيضًا فرصًا واسعة. فمن جهة، يمكن للذكاء الاصطناعي أن يسهم في حفظ التراث اللغوي، وتحسين أدوات المعالجة الآلية، وتيسير الترجمة والتدقيق والتحليل الدلالي، مما يفتح آفاقًا غير مسبوقة لاستخدام العربية في العلوم والتقنية والإعلام الرقمي. كما بات بإمكان النماذج الذكية دعم تعلم العربية لغير الناطقين بها بطريقة أكثر تفاعلية ودقة.
لكن في المقابل، تبرز مخاوف حقيقية تتعلق بـ تراجع الملكة اللغوية لدى الأجيال الجديدة نتيجة الاعتماد الزائد على التقنيات التي تكمل الجمل وتصحّح الأخطاء تلقائيًا. كما أن النماذج المبنية على بيانات غير معيارية قد تروج لأساليب ركيكة أو هجينة، ما يؤثر على فصاحة اللسان العربي. ويظل الخطر الأكبر في إمكانية استبدال الذائقة الأدبية الأصيلة بخطابات سريعة مُنتَجة آليًا، تفقد اللغة عمقها الإبداعي والإنساني.
إن الاحتفاء باليوم العالمي للغة العربية هو دعوة واعية إلى جعل التكنولوجيا خادمًا للغة لا بديلًا عنها، وجسرًا لتعزيز التفكير بالعربية لا لتهميشه. فالتفاعل بين اللغة والتراث والمعرفة والتقنية ينبغي أن يقود إلى نهضة لغوية رقمية، تُبقي اللسان العربي حيًا وقادرًا على قول العالم، وصناعة المعنى في زمن تتزاحم فيه الأصوات واللغات.



