لك الله يا قُدس

الباحث مازن أهرام (القدس)

حظيت مدينة  القدس  وما تزال بمكانة عظيمة في التاريخ الإنساني  وتميزت بخصوصية الزمان والمكان  فهي في الزمان ضاربة جذورها منذ  الحضارة العربية الكنعانية  أما بالنسبة لخصوصيتها المكانية  فقد شملت الموقع والموضع  فكانت ملتقى الاتصال والتواصل بين قارات العالم القديم  تعاقبت عليها الحضارات  وأَمّتها الجماعات البشرية المختلفة  مخلفة وراءها آثارها ومخطوطاتها الأثرية  التي جسدت الملاحم والحضارة والتاريخ  دلالة على عظم وقدسية المكان

ولابد أن يكون لمثل هذه الظاهرة الحضارية الفذة أسباب ومبررات هي سر خلودها واستمرارها آلاف  السنين  رغم كل ما حل بها من نكبات وحروب أدت إلى هدم المدينة  وإعادة بنائها ثماني عشرة مرة عبر التاريخ  وفي كل مرة كانت تخرج أعظم وأصلب وأكثر رسوخا من سابقتها  دليلا على إصرار المدينة المقدسة على البقاء فمنذ أن قامت (القدس الأولى) الكنعانية قبل نحو 6000 سنة  وهي محط أنظار البشرية  منذ نشأت الحضارات الأولى في (فلسطين ووادي النيل والرافدين)  مروراً بالحضارة العربية الإسلامية  وحتى يومنا هذا

مدينة القدس  تحظى  بتاريخ عريق مرّ فيه العديد من الحضارات والأمم التي امتدّت من التاريخ القديم وحتّى التاريخ الحديث  ومن أهمّ وأبرز الحقب التاريخية التي مرّت على مدينة القدس اليبوسيون   تحديداً عام (2500) ق.م

 ثم  العصر الفرعوني بين  القرني الرابع والسادس  ق.م

 وتلاه العصر البابلي بين عامي 583-537)  ق.م

 وأعقبه  العصر  الفارسي بين عامي (333-537)ق.م

ثم  العصر اليوناني  الذي بدأبين عامي (63- 333)ق.م

 ثم أعقبه  العصر الروماني  في عام (63ق.م إلى 636م)

وشهدت تلك الحقبة الزمنية  ميلاد سيدنا عيسى بن مريم عليه السلام  وتلتها  بعثة النبي سيدنا محمد عليه الصلاة والسلام في الفترة الزمنية   بين عامي (66-70م)خلال تلك الفترة الزمنية قام يهود في مدينة القدس تحديداً بأعمال شغب  وتمرد وعصيان على  الحكم الروماني  والذي بدوره أخمد فسادهم  وعصيانهم  وقد تعهد الإمبراطور هادريان  في سدة سلطته بإخراجهم  من بيت  المقدس  وقد خلت منهم ومن فلولهم من تمردهم وفسادهم  ثم حول اسم المدينة المقدسة الى  إيلياء

وأما في العهد  البيزنطي     شهدت المدينة المقدسة  تجلي الديانة المسيحية  للدولة وتجسد ذلك تغيراً جوهرياً  للمسيحين في القدس  والدليل على ذلك الشواهد  الخرائط الفسيفسائية   والتي تم اكتشافها في الأردن  وتم يناء كنيسة القيامة  عام (326م) نذكر هنا في تلك الفترة الزمنية أنه تم انقسام  الإمبراطورية   الرومانية   مما أقحم  الفرس  لاحتلال  مدينة القدس عام (614م)لمدة أربعة عشر عاماً ليعود لها الحكم الروماني إلى أن فتحها المسلمون  عام  (636م)على يد الخليفة عمر بن الخطاب  عام (638م)بعد انتصارهم على  الروم في معركة اليرموك  خط عمر لسكان مدينة القدس العهدة العمرية التي تُكتب بماء الذهب منح الفاروق  عمر الحرية الدينية لساكنيها  وألا يسكنها  يهود  وأرسى في المدينة العدل  والأمن   والأمان و تجلت نهضة الحضارة في عدة مجالات  على مستوى العديد من الأصعدة تلتها الفترة الأموية والعباسية   والفاطمية لتتوالى تلك الحضارات من شتى المِحَلْ والمِلَلْ على المدينة المقدسة والعيش المشترك لاختلاف الأجناس وازدهر العمران  وتوافد عليها العلماء من شتى بقاع الأرض  والتجار  وأصبحت فلسطين  والقدس خاصة محجاً للعباد والنساك  والأولياء  والصالحين

لكن سقوط المدينة إبْان الحملات الصليبية والتعصب  الديني  الأعمى  بعد خمسة قرون  من الحكم الإسلامي   وبطش الصليبين الذين لَا يَرْقُبُوا إِلًّا وَلَا ذِمَّةً  مِن قتلٍ وخرابٍ وتدميرٍ وتدنيسٍ للمقدسات فما أشبه اليوم بالبارحة  ما يشهده العالم  اليوم  ينظر بمنظارين مختلفين   عين ترى وعين لا ترى واليوم ما يحدث في فلسطين  وفي مدينة القدس تحديداً يستشرف واقع الأمر على رائحة حروب دينية لا تبقي ولا تذر  تبدأ بشرارة بيت المقدس  ويعلم الله مداها ؟ فالمسجد الأقصى هو المحرك والمحفز والدافع الأول لهبة الشعب الفلسطيني في أماكن وجوده  كافة  ما من شيء ممكن أن يحرك الشعب الفلسطيني  والمسلون  في أنحاء المعمورة مثل القدس والأقصى وما من قضية توحد الشعب الفلسطيني مثل الدفاع عن عاصمته وعن مقدساتها  فالقدس مركز الحدث الفلسطيني هكذا كانت وهكذا ستبقى ولا ينبئك  خبير

اليوم من عُمر الزمان  تظهر شرذمة من أعمى الله قلوبهم  تتبعوا أساطير ابتدعوها نسجوها من وحي الخيال  وحاكوها في سواد الليل البهيم  فتكوا في البلاد  وهتكوا الأعراض وتبروا العمران  وقتَلوا الأهل وعاثوا في الأرض الفساد فهم غرباء عن هذا الوطن  والمقدسات وأي مساس بتلك الثوابت سينقلب السحر على الساحر

ندم البغاة ولات ساعة مندم … والبغي مرتع مبتغيه وخيم

لقد عاش اليهود ردحاً من الزمن  على مرَ التاريخ في سعةً  وطمأنينة  في ظل الإسلام  و في شتى بقاع الأرض ويشير مارك كوهين أن الشعب اليهودي عاش في ظل الحكم الإسلامي التسامح والتكامل  وأن الفترة الزمنية “للعصر الذهبي” لليهود في الأندلس والمغرب العربي  والعراق  مع توافر المزيد من الفرص لهم

أما أكثر الآراء أهمية فهي لمؤسسي  هذا الكيان  الذي تكشف آرائهم أن الزوال بأعينهم  هو نتيجة حتمية لا مفر منها

“ديفيد بن غوريون” عاش ومات وهو مقتنع بحتمية زوال الكيان بعزيمة الأجيال الفلسطينية الجديدة  فقد روى زميله المقرب” ناحوم غولدمان” في كتابه المفارقة اليهودية  تفاصيل لقاء ليلي مطوّل له مع بن غوريون في منزل الأخير سنة 1956  خصه فيها بالكشف عن آراءه الصادمة: اعترف له بحق الفلسطينيين بأرضهم مؤكداً أن كيانهم هو كيان احتلال

توقع ألا يدفن ابنه “عاموس” في الكيان لأن العرب لن يسكتوا ولن يرضخوا لاحتلال ارضهم ومقدساتهم

“لا يوجد لإسرائيل مستقبل على المدى الطويل دون تسوية سلمية مع العرب”

أما “غولدمان” الذي كان من أعلام الكيان حيث أسس وترأس “المؤتمر الصهيوني” لسنوات، ذكر في عدة كتب له:

أن دولة “إسرائيل” سوف تختفي من الوجود إن هي ظلت تمارس الإرهاب اليومي ولا تعترف بوجود دولة فلسطينية داعياً الجيل “الإسرائيلي” القادم بأن يعترف بحق الشعب الفلسطيني في الوجود وأن ينصهر معه في علاقات اقتصادية متوقعاً  أن لا تستمر الولايات المتحدة الأمريكية بمد الكيان بمساعداتها الاقتصادية والعسكرية

فهل من مُعتبر يدرك حقيقة بيت العنكبوت  القائم على الوهن

وأُمتنا ومن بني جلدتنا لبست ثوب العار والخزي وصدق الحجْاجُ في قوله

أُسد على وفي الحروب نعامة رداء تجفل من صفير الصافر

إلى متى انشغال العالم بإحصاء الأضرار البشرية للحروب يغفل هذا العالم عن أضرار أخرى أهميتها كبيرة بالنسبة إلى التراث  الإنساني  كثيرة هي المعالم  ليست الأثرية فحسب  وإنما التراثية المرتبطة بصورة بلد  التي طاولها التدمير  أو التخريب منذ مطلع هذه الألفية   الحروب تؤدي الى الدمار والهلاك  والقضاء على البشرية حينما يتخلى الإنسان عن بشريته ويُصبح أدنى من وحوش الغابة يستقوي بالقهر  والغلبة والتفوق وتنشط    تجار الحروب فتكاً بالعباد والبلاد !!!

أيها العالم الغارق في  الظلم  والجحود والنكران  السالكون على خطى العودة للعصبية الدينية بين الخرافة والأسطورة أفيقوا مِن غفوتكم وسباتكم  وأحلام اليقظة حالكم ينبئ قوله تعالى :

 (وَإِذَا تَوَلَّىٰ سَعَىٰ فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ ۗ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ)

والجواب  لهذا العالم الذي جُن جنونه وفقد بوصلته نحو الصواب (أَلَيْسَ مِنكُمْ رَجُلٌ رَّشِيدٌ ) ؟؟؟

حين غاب العرفان  والإحسان  استباح النكران والمن هُتكت حرمات البيوت والقلوب  والعلاقات  ونتج عن ذلك أزمات عدة رسخت حولنا سلوكا سلبيا يتوغل بمكر في نسيج المجتمع وهو ما يهدد السلام الاجتماعي   ويتطالب تضافر الجهود لصون العيش والملح واستعادة مكانة العرفان والإحسان في القلوب لتسعد العلاقات وترى البيوت السلام والهدوء والوئام   إن توابع النكران قاسية   ومنذ القدم وصف الأديب العالمي وليم شكسبير حال الضحية قائلا :

” نكران الجميل أشد وقعاً من سيف القدر”

 وعلى دربه وصف أديبنا الكبير الراحل يحيي حقي ذلك الجحود بالسم قائلا 🙁 الشعور بنكران الجميل ممن تحسن إليه سم تذوي عليه فضائل الروح) فيما قالوا في الأمثال عن الجاني  ( اللئيم وجد البديل فأنكر الجميل)

بين المدْ والجزر لبيت المقدس   ساق الله لهذه  الأُمة صلاح الدين الأيوبي لمدينة القدس (1187-1967م) بعد انتصاره على الصليبيين في معركة حطيّن وعامل أهلها معاملةً حسنةً واهتمّ بالمدينة وحصّنها  ورمّم المسجد الأقصى من الآثار الصليبية  وأتاح للعائلات العربية المقدسية والأرثوذكس العودة للسكن في القدس  وجعل معظم أجزاء المدينة وَقفاً إسلامياً  وثبّت دعائم الحُكم وأسباب الاستقرار لساكني المدينة ومكّنهم من التعايش السلمي فيها لكن وبعد وفاة صلاح الدين استعاد الصليبيون مدينة القدس في عهد فريدريك الثاني ملك صقلية  وظلّت القدس تحت الحكم الصليبي 11 عاماً إلى أن حرّرها مرّةً أخرى الملك نجم الدين أيوب عام 1244م.
ثم توالت الحضارات  على المدينة المقدسة مُحْسِنٌ وَظَالِمٌ لِّنَفْسِهِۦ بدخول المماليك إليها  تعرّضت القدس لغزو المغول بين عامي( 1243-1244م)، واستطاع المماليك بقيادة سيف الدين قطز والظاهر بيبرس هزيمة المغول في معركة عين جالوت الواقعة في 1259م  واستعادوا المدينة وباقي فلسطين وضموّها إلى دولة المماليك الذين حكموا الشام ومصر بعد انتهاء الدولة الأيّوبية  وحرص المماليك على إنشاء الكثير من المدارس والمكتبات  وازدهرت في عهدهم حلقات العلم والزوايا التي شهدت حضور المسلمين من أنحاء العالم   وأقاموا التكايا والأسْبلة  فتح العثمانيون فلسطين بقيادة السلطان سليم الأول بعد انتصارهم في معركة مرج دابق في القرن السادس عشر  وأصبحت القدس مدينةً تابعةً للحُكم العثماني  وفي هذا العهد أعاد السلطان القانوني تشييد أسوار مدينة القدس ورمّم مسجد قبّة الصخرة والجامع القبلي في المسجد الأقصى، وبقيت القدس تحت حُكم العثمانيين حتّى عُزل السلطان عبد الحميد عام 1808م.

تغول الانتداب البريطاني (1917-1948م)و سقطت مدينة القدس في عام 1917م في يدّ الجيش البريطاني  وأُعلن وعد بلفور في ذات العام وأعطت عصبة الأمم المتحدة بريطانيا حقّ الانتداب على جميع أرجاء فلسطين وذلك في عام 1920م واستمرّ انتدابها حتّى عام 1948م  وأدّى ذلك إلى هجرة يهودية متزايدة إلى فلسطين عموماً ومدينة القدس خصوصاً

الاحتلال الإسرائيلي: كان لانسحاب بريطانيا من فلسطين دوراً في إعلان قيام ما تُطلق عليها اسم “دولة إسرائيل” على أرض فلسطين  واتخاذ القدس الغربية عاصمةً لها  في حين استطاع الجيش العربي الحفاظ على القدس الشرقية تحت السيادة الأردنية حتّى وقوع حرب 1967م التي انتهت باحتلال سيناء  والجولان  وقطاع غزة  والضفة الغربية  وضمّ القدس الشرقية  لتكون تابعةً لسلطة الاحتلال الإسرائيلي

وبانتظار فجر  جديد يلوح بالأفق لك الله يا قُدس

وعودة صلاح الدين ليصلح العباد والبلاد  أليس الصبح قريب…..؟

المراجع:

(205) البقرة

78 من سورة هود

ندم البغاة ولات ساعة مندم … والبغي مرتع مبتغيه وخيم

ص31 – كتاب شرح الشواهد الشعرية في أمات الكتب النحوية – ندم البغاة ولات ساعة مندم … والبغي مرتع مبتغيه وخيم – المكتبة الشاملة الحديثة

الكاتب حسن القباني

التوراة، بن غوريون، وحاخامات يهود: زوال إسرائيل حتمي

مارك كوهين من مواليد يوم 11 مارس سنة 1943 فى امريكا. درس فى Jewish Theological Seminary of America و جامعة برانديز و جامعة كولومبيا و جامعة برنستين.

دافيد بن غوريون (غرين سابقا)، ولد في بلدة بلونسك البولندية عام 1886، وتلقى تعليمه في مدرسة عبرية أسسها أبوه، الذي كان ينتمي إلى محبي صهيون “حوفي تسيون”.

كفتى أسس جماعة شبيبة عبرية اسمها “عزرا”. في سن 18 سنة انتقل إلى وارسو وانضم هناك إلى الحزب الصهيوني – الاشتراكي عمال صهيون “وعالي تسيون”. في عام 1906 قدم إلى البلاد. وفيها عمل كعامل في الزراعة, كمعلم وكنشيط في حزب “عمال صهيون” وكعضو في هيئة تحرير صحيفة الحزب”هأحدوت”. في عام 1910 غير اسمه من غرين إلى بن غوريون.

ناحوم غولدمان  ولد العام 1895 في فشنيفا-  ليطا. نشأ وترعرع في المانيا ونال درجة الدكتوراه من جامعة هيد لبرغ، وخدم في القسم اليهودي ناحوم غولدمان هو أحد مؤسسي المركز اليهودي العالمي ومن أشد أنصار إقامة “الوطن القومي اليهودي” في فلسطين حماسة. حضر جميع دورات المؤتمر الصهيوني وتولى رئاسة المنظمة الصهيونية العالمية منذ 1956 حتى 1968 وبعد حرب 1967  أخذ غولدمان ينادي بعدم جدوى تحقيق أمن (إسرائيل) عن طريق القوة العسكرية وبضرورة التفاهم مع العرب. ومن هذا القبيل يأتي مشروعه لحل القضية الفلسطينية.

د. جمال زحالقة

وِلْيَمْ شكسبير  شاعر وكاتب مسرحي وممثل إنجليزي بارز في الأدب الإنجليزي خاصة، والأدب العالمي عامة. سُمي بشاعر الوطنية وشاعر آفون الملحمي. أعماله موجودة، وتتكون من 39 مسرحية و158 قصيدة قصيرة (سوناتات) واثنتين من القصص الشعرية (قصيدتين سرديتين طويلتين) وبعض القصائد الشعرية، وقد تُرجمت مسرحياته وأعماله إلى كل اللغات الحية، وتم تأديتها أكثر بكثير من مؤلفات أي كاتب مسرحي آخر.

اصدار هيئة أشراف بيت المقدس

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق