المرياع

قال الشيخ الإمام جمال الدين أبو الفرج عبد الرحمن بن علي بن محمد بن علي الجوزي:

 الحمد لله الذي أعطى الأنعام جزيلاً، وقبل من الشكر قليلاً، وفضلنا على كثير ممن خلق تفضيلاً، وصلى الله على سيدنا محمد الذي لم يجعل له من جنسه عديلاً، وعلى آله وصحبه بكرة وأصيلاً

وبعد فإني لما شرعت في جمع أخبار الأذكياء وذكرت بعض المنقول عنهم ليكون مثالاً يحتذى لأن أخبار الشجعان تعلم الشجاعة آثرت أن أجمع أخبار الحمقى والمغفلين لثلاثة أشياء.

الأول: أن العاقل إذا سمع أخبارهم عرف قدر ما وهب له مما حرمون، فحثه ذلك على الشكر.

والثاني: أن ذكر المغفلين يحث المتيقظ على اتقاء أسباب الغفلة إذا كان ذلك داخلاً تحت الكسب وعامله فيه الرياضة، وأما إذا كانت الغفلة مجبولةً في الطباع، فإنها لا تكاد تقبل التغيير.

والثالث: أن يروح الإنسان قلبه بالنظر في سير هؤلاء المبخوسين حظوظاً يوم القسمة، فإن النفس قد تمل من الدؤوب في الجد، وترتاح إلى بعض المباح من اللهو، وقد قال رسول الله ﷺ لحنظلة: ” ساعة وساعة “.

حديثنا اليوم عن

المرياع هو شيخ قطيع الغنم، أصله خروف ابن ساعته لم يذق حليب أمه ولم يشرب حليب اللبآ منها  واللبآ هو سائل يخرج من الثدي في أول أيام بعد الولادة ويتكون فقط في الأسبوع الأول والثاني بعد الولادة ثم يختفي وهو غني بالمواد الغذائية والأجسام المضادة لزيادة مناعة الوليد ومقاومته للأمراض ومع مرور الزمن يصبح الحمار بمثابة أمه وأبيه أينما ذهب، حيث يبقى حوله وخلفه، وفي مرحلة متقدمة من عمره يتم خصيه والعناية به ليسمن ويوضع في رقبته جرس خاص يسمى «القرقاع» وتُعلّق حول عنقه الأجراس الطنّانة والرنّانة فإذا سار المرياع سار القطيع وراءه معتقداً أنّه يسير خلف زعيمه البطل، لكن المرياع ذو الهيبة المغشوشة لا يسير إلاّ إذا سار الحمار ولا يتجاوزه أبداً.

 لتصبح مهمته قيادة القطيع خلف الحمار المدرب على السير باتجاه المرعى… وكلما سار المرياع يدندن الجرس وهي إشارة للقطيع ليلحق به وهكذا دواليك…! ومن المعروف عن خوف الخراف من الكلاب، لكن علاقة وطيدة تنشأ، بين المرياع والكلب الذي يحفظ أمن القطيع، بحيث يصبحا حليفين، لا تنفصم لتعاونهما عُرى، في سبيل سير الجميع على خُطى الحمار، ومعاقبة كلّ من تسوّل له نفسه الخروج عن وحدة الصف.

أمّا المرياعُ ــ يا حفيظ السّلامة ــ فهو الكبشُ القائد الذي يقود القطيعَ دون أن يتخلّف أحدٌ عنه على الإطلاق. ولا يتمّ قصّ شيءٍ من صوفه ليغدو كثيف الصّوف وذلك بغية “الهيبة” وتنمو قرونه فيبدو ضخماً ذا هيبة؛ التي ينبغي أن يكتسي بها القائد، ولإخفاء العُجَرِ والبُجَر التي تتنامى في أنحاء جسده. فما إن يسير المرياعُ مزهوًّا بنفسه منتفشًا بصوفه الكثيف مزدانًا بالهيبة المصطنعة فيهزّ رأسه لينطلق صوت “القرقاع” الذي يفهمه القطيع جيّدًا حتّى تسارع أشتاتُ الأغنام للتجمّع العاجل والمسير المنتظم خلفه دون مخالفةٍ أو تأخّر، ويتبعونه مطأطئ الرّؤوس دون أن ينظروا أمامهم، ودون أدنى اعتراض منهم على مسيره ولو ساقهم إلى الهاوية أو إلى حتوفهم.

المرياعُ في العوالم الافتراضيّة

ممّا يجب قوله هنا: إنّ ظاهرة المؤثّرين موجودة من بداية البشريّة وكانت تأخذ أشكالًا متعدّدة ومختلفة، لكنّها مع وجود العوالم الافتراضيّة وهجرة مئات الملايين من الشباب من عوالمهم الواقعيّة والإقامة في هذه العوالم الافتراضيّة أخذت ظاهرة المؤثّرين منحىً مختلفًا، فغدا البعض يتبعهم عدة ملايين وبعضهم يتبعهم مئات الآلاف وآخرون يتبعهم عشرات الآلاف، وأبرز ما في ظاهرة المؤثّرين في العوالم الافتراضيّة أنّها أسهمت في صناعة ثقافة القطيع وطبعت سلوك الكثير من المتابعين بسلوك القطيع وهذا احتاج إلى خلق الكثير من المراييع، فلكلّ قطيعٍ مرياعُه، ليغدو “المرياع” من أكثر الشّخصيّات حضورًا في هذه العوالم الافتراضيّة.

فالجمهور المنتمي إلى قطيع المصفّقين يغدو نجمهم ومتبوعهم كالمرياع انتفاشًا، ولكنّه في كثير من الأحيان انتفاش خلّبيّ سببه الصّوف المتكاثف الذي يخفي تحتَه العيوب الحقيقيّة، ويحقق الهيبة المصطنعة الجاذبة، فإبهار الصّورة وعلوّ الصّوت أو تنميق الكلام أو غير ذلك من المحسّنات للمظهر العام للكلام أو الظهور غدت أشد تأثيرًا من الفكرة وعمقها والمضمون وأصالته.

والمؤثّرون في هذا العالم الافتراضيّ قسمان؛

مؤثّرون تافهون يقدّمون كلّ غثّ ويفسدون الأذواق ويهتكون القيم فهؤلاء كالمرياع الذي يسوق قطيعَه إلى الهاوية فيسقط في قاع الوادي وهو يسير على خطى المرياع دون أن يتبصّرَ بالمآلات ودون أن ينظر إلى حافة المنحدر الذي غدت قدمه عليه فإمّا أنّها انزلقت أو أنّها على وشك الانزلاق.

وأمّا القسم الثّاني من المؤثّرين فهم المؤثّرون الذي يقدّمون محتوى حقيقيًّا له قيمةٌ وفائدةٌ وهؤلاء قلّة ندرة، ووجودهم ضروري لبناء الوعيّ وترشيد الجيل وتنوير الدرب، وعلى الرّغم من القيمة العاليّة التي تقدّمها هذه الشريحة من المؤثّرين إلّا أنّها لم تسلم من التشكّل بصورة “المرياع” مع المتابعين الذي تحوّلوا إلى قطعان تدخل مسالخ المعارك الافتراضيّة بين هؤلاء المؤثّرين فتسيلُ دماء الفضيلة وتُنحرُ آداب الحوار في مسلخ التصارع الذي يتحوّل بقدرة قادر من اختلاف في وجهات نظر يمكن احتماله واحتواؤه إلى صراعٍ بين الحقّ والباطل وبين الكفر والإيمان.

يرجع “المرياع” مزهوًا بنصره في هذه المعركة بينما تبقى القطعان تتناطح وتسيل دماء أخلاقِها وتتعمق الشروخ بينها في معارك وهميّة تمّ إقناعهم أنّها معارك وجوديّة وصراعات صفريّة.

هنا تظهر الحاجة الماسّة إلى ضخّ جرعات عالية ومكثّفة وكبيرة من الوعي بضرورة رفض التّصنيم للأفراد أيّا كانوا، والتفريق بين الاتباع على بصيرة والتعصب الاعمى للأشخاص والتيّارات التي يمثّلها هؤلاء المؤثّرون. كما أنّنا بحاجة إلى التّعامل مع التفاهة المنتشرة التي غدت منهجًا متصاعدًا متكاملًا في العوالم الافتراضيّة وفق منهجيّات جديدة فاعلة ومغيّرة بعيدة عن إشباع المؤثّرين التّافهين شتمًا بينما هم قد أودَوا بجيلٍ عريضٍ سنقفُ يومًا ــ إن لم نتدارك ــ متحسّرين على إفلاته منّا وضباعه من بين أيدينا وقد تاهوا خلف كلّ “مرياع” وأخذ بألبابهم كل “قرقاع”

تحضرني قصة هنا وهو أن مرياعا سار بالقطيع في منطقة وعرة حتى وصل إلى حافة واد سحيق …. فانزلقت قدماه فسقط أسفل الوادي فما كان من باقي القطيع إلا أن لحقه – بحكم الاقتداء – واحدا تلو الآخر كون النعاج والخراف اعتادت أن تقاد! إن بين البشر من هم على شاكلة الغنم لا يحلو لهم السير إلا خلف مرياع ودون أدنى تفكير …!؟

المهم أنه عندما يسير المرياع يسير القطيع كاملا وراءه ويتبع خطاه مُعتقداً أنه يسير خلف الخطى الواثقة لزعيمه البطل ولكن المرياع ذو الهيبة العظيمة المَغشوشة لا يسير إلا إذا سار الحمار أمامه ولا يقدم على تجاوزه أبداً. عندها يتلخص المشهد في المعادلة التالية: الأغنام خلف قائدها وقائدها خلف الحمار. هذه المعادلة تنطبق الى حد كبير على الكثير من زعماء القوى السياسية المحلية وعلى أغلب الحكام بالعالم فالشعب الذي يسير خلفهم يكون كالأغنام..

كل واحد منهم مرياع يسير خلف راعي دولي يرضعه الخيانة مع الولاء الأعمى لها! تلحق به النعاج، والخراف، أنّى تحرك، وإلى حيثما اتجه. هو سيد القطيع، دونما شك، ويتميز على أقرانه بميزات كثيرة، في شكله، وحجمه، كما في سلوكه. رأسه مزيّن بالخرز والشرائط الملونة، وفي رقبته جرس، يرن عند كل التفاتة منه، يميناً أو شمالاً، لكي ينبه القطيع إلى بدء رحلة الذهاب إلى واحات الكلأ والماء، أو العودة منها إلى حظائر النوم.

لكن المرياع، وهذا اسمه الذي عُرفته الرعاة لا يتحرك على هواه، أو بمشيئته. لقد تربى، وتعلم، على ألا يمشي إلا إذا مشى الحمار الذي يركبه الراعي. عينه دوماً على الحمار، وعيون أقرانه عليه. ينهر الراعي الحمار، فيتحرك، ويلحق به الخروف الرئيس، من فوره، ثم سرعان ما تهرول الخراف والنعاج الأخرى وراءه، خطوةً بخطوة، من دون حتى أن تكلف نفسها عناء النظر إلى الطريق.

كل تشابه بين المرياع في هذه المقالة والمرباع في أي بلد مقصود تماًما وليس من قبيل المصادفة، قطعاً، تشابه الخراف الافتراضية، هنا، مع الخراف البشرية التي تجري وراءه، وهو يجري وراء حمار، أياً ما كان اسم الأخير، ومهما اتخذ من صفات وألقاب. للقارئ أن يتخيل، إن شاء، من يكون الحمار، في كل حال، ولا جدال طبعاً، فيمن هو الراعي.

كم دولة خارجية لعبت دور الحمار وكم خروفا مخصيا لعب دور المرياع من ساسة هكذا هو حال الشعوب المقهورة مع حكامها وقادتها، القائد مهيب الركن عظيم الشأن أمام شعبه ما هو إلا خروف مخصي يسير خلف حمار يعتبرها أمه التي أرضعته، ويسير جنبا إلى جنب مع الكلب   وكل من تسول له نفسه من الشعوب أن يخرج بعيدا عن الطريق   يُعاقب من المرباع وسادته.

  مرباع أتى به الغرب ليحكم يصول ويجول ويتصرف بالبلاد والعباد ويعبث في الأوطان تارة يزمجر وتارة يُلوح مَصارعَ أطيافٍ وألوانِ

ولكن آن لنا أن نستفيق فعندما يكتب التاريخ بهدف إخفاء جريمة صار تزويرا في أوراق وطنية ولابد من تصحيحه حتى نستطيع أن نصحح حاضرنا ومستقبلنا.

لله در العرب.. ليتهم واصلوا الابداع الذي اكتسبوه من حضارات سادت وبادت وعنها نقلت علوم وعادات وتقاليد.. حتى في رعاية الأغنام أوجدت وسائل وابتكرت ما يسهل لها رعاية حلالها.. ومن ذلك الكبش «المرياع» الذي تتناقل حكايته.. والمرياع فلا تغرك المظاهر والأجراس الطنانة والرنانة والهيبة المغشوشة فنحن في زمن المرابع..

الدول الكبرى تشجع المرباع فهي تعلم حقيقته.. فلا يعدو كونه كبشا فارغا وان كان يبدو بهيبة.. فهي كانت تقضى على كل مرياع في أي وقت تشاء. لكن مرياع الاغنام إبداع عربي لم يسبقهم اليه أحد لا فرس ولا روم..

قانون قديم جداً ورثناه عن أجدادنا وآبائنا، فمن يربي الأنعام، يصنع من بينها “مرياعاً”، يضمه لصفوف أغنامه هذا المرباع صاحب المقام العالي والقرون المقطوعة يعتبر القائد المعلن للقطيع فتُعلق الأجراس بعنقه ويتدرب على دندنات أصوات ٍ يسير بالخراف الى حيث يشاء ليصدق الشاعر ويطلق على القائد المحبوب من الجمهور المرياع

تيسٌ يدير قطعيه وخرافَه      كالعرب يحكم شعبها الخرفانُ

غنمٌ يسير بها حمارٌ أحمقٌ       كالتيس أرضعه اللبانَ أتانُ

حكمت بِنَا خرفانٌ وسباعُ         والمُلك يُدعى حاكمٌ مرياعُ

فوضى واسياد البلاد رعاعُ        لا تأمَنِ الدَّهـرَ فإنـهُ

مـا زالَ قِدْمـاً للرِّجـالِ يُـؤدِّبُ       من يعرف مرباع الأغنام

شعب أنهكته سطوة المرباع     أضحى  عليلاً بالأسقام

وهكذا ما كنّا نظنه يقود القطيع لجماله وكثافة شعره   لقد خدعتنا أجراسه المتماوجة وأصواته العالية وطقطقات حنكه الأعوج فظننا به حسناً وإذ به يقوده حمار القطيع

فمن الحكمة والحذر أن يعرف المرء إذا كان الحمارُ يقود القطيع أم صاحب الأجراس (المرياع) علينا دوماً ان نتفكّر بشكلٍ عميق وان نحلّل جيداً الأمور لنختار الأشخاص الذين نستطيع ان نستمع لبعض كلامهم ومواقفهم او ان نأتمنهم على قيادة امور البلاد والعباد او السماح لهم بقيادة سفينة الخلاص والإنقاذ.

المراجع

الكاتبُ الأردنيّ الأستاذ حلمي الأسمر في مقالة له عنوانها “درسٌ في الثقافة العامة” موقفين وحادثتين تدلان على حجم الاتباع الأعمى من القطيع لمرباعه.

محمد خير موسى كاتب وباحث فلسطيني

المؤلف: ابن الجوزي/أخبار الحمقى والمغفلين

د. حسان امين الزين

الكاتب وليد كريم الناصري

الكاتب سمير البرغوثي

إصدارات هيئة أشراف بيت المقدس

اسم الكاتب:

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top