فنون السرد

حيرة ..

محمد العربي كرانة (المغرب)

 

وقف المفتش أمام رئيسه المنهمك في قراءة أوراق أمامه ، أدى التحية وانتظر، سأله رئيسه دون
أن يرفع رأسه ودون أن يأبه بتحيته :
– هل من جديد ؟ أريد تقريرا مفصلا ونتائج سريعة .
– المشكل ليس في التقرير يا سيدي ، ولكن في النتائج .
– كيف ذلك ؟
– نماذج التقارير متوفرة ولكم واسع النظر في اختيار ما يتناسب والحالة التي نحن بصددها
ولكن بالنسبة للنتائج ….
– ما لها النتائج ؟
عرق بارد ينزل من تحت إبطي المفتش ويبلل قميصه ، ورعشة خفيفة تعتري أطرافه ، أجاب
بعد تردد قصير :
– ليست هناك نتائج سيدي …حاولنا بالطرق المعهودة مع مراعاة تعليماتكم فلم نحصل على
شيء .
– غير ممكن ، الرجل يبدو هشا ، وقد يكون به مس .
– لا أشاطركم يا سيدي الرأي ، فلو كان هشا لكنا حصلنا مبتغانا بسهولة ، أما عن المس ….
شجعه رئيسه على الإستمرار بانحناءة من رأسه
– فرضية المس ممكنة يا سيدي ، فكأنما نحن في عالم وهو في عالم آخر . لم يأبه حينما وقفت
سيارتنا بجانبه ، ولا حين قذفنا به داخلها . أدهشنا تصرفه وأغاظنا ، تمالكنا أعصابنا واصطحبناه
إلى المخفر حيث بدأنا باستجوابه . لم يكن الأمر هينا سيدي …فقد رفض أن يمدنا باسمه وباسم والديه
وبمقر سكناه ، واكتفى بالنظر إلينا كأنه لا يرانا ….نسينا تعليماتكم للحظة ، وأمرناه بخلع ملابسه
وأنتم تعلمون سيدي بأن خلع الملابس يهز أكثر القلوب رباطة لما يمكن أن ينتج عنه ، الناس تخاف
على عوراتها ، أتدري سيدي ما حصل ؟
حرك الرئيس رأسه بالنفي ، واستطرد المفتش :
– خلعها يا سيدي دون أن يرف له جفن ، ووقف أمامنا عاريا وفي عينيه نظرة غريبة ، مزيج من
الاحتقار والتحدي . لم أتمالك نفسي وصفعته صفعة قوية اصطكت لها أسنانه ، ترنح من وقع الصفعة
ولكنه لم يسقط ، خيط رفيع من الدم انساب على ذقنه مسحه بظاهر يده ثم تكلم ….أي والله سيدي تكلم
اغتبطنا جميعا وكأن كلامه غاية المنى ، نسينا ونحن المتمرسون أن الكلام لا يهم في حد ذاته وأنه
وسيلة للوصول لمرادنا ، استمعنا له ….كان صوته هادئا رزينا وهو يقول :
– رغم الصفع فالزمن تغير ، وأنتم سترمون في مزبلة التاريخ .
تصور سيدي لقد بدأ يتفلسف ولد ال….عفوا سيدي ، لقد أخرجني هذا الملعون عن أطواري . شيء
ما تغير بالفعل بدءا من السيارة .
تساءل رئيسه باستغراب :
– السيارة ؟
– نعم سيدي السيارة .
– ما لها السيارة ؟
– فقدت كثيرا من هيبتها ، كانت حتى وهي واقفة ، فارغة ، مدعاة للاحترام والتقدير ، أما إذا كنا
فيها فلا أحد يجرؤ على الاقتراب منها . أما الآن…
نظر رئيسه إليه بإشفاق ، هو نفسه في البداية لم يستسغ التعليمات الجديدة ، ليس لأنها معقدة ، ولكن
لطبيعتها الفجائية . حقوق الإنسان ، حرمة القانون ، حرية التعبير ، عناوين ضخمة لتغيير أريد له
أن يكون جذريا ، فاصلا بين مرحلتين . تناسى الجميع أن سنوات من العمل تورث صاحبها طبيعة ثانية
تغطي في كثير من الأحيان على شخصيته إن لم تلغها نهائيا .
أمر المفتش بالاستمرار في مهمته ، وبمحاولة فتح حوار مع المتهم بطرق حضارية تضمن تعاونه
للخروج بأكثر ما يمكن من المعلومات فالوقت لا يرحم .
أدى المفتش التحية وعلى وجهه حيرة كبرى ، ثم استدار لينصرف . استوقفه رئيسه :
– أعيدوا له ملابسه ، ليس من الضروري أن يبقى عاريا .
خرج المفتش دون أن يغلق الباب . لم يعد يفهم شيئا ، تجربة ثلاثين سنة من العمل أصبحت لاغية ….
أن يحاور المتهم بطرق حضارية !!.

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق